
بوابة التربية:
أطروحة دكتوراه لبنانية تفتح أفقًا جديدًا في علم النفس العيادي عند تقاطع العلم، الإبداعية، وكرامة الإنسان بعنوان: “المناعة النفسية وبناء النهوض المستدام وفق منهج داود: العلاج باللعب والفن والإبداعية”
ليست مناقشة الدكتوراه مجرد محطة أكاديمية نهائية، بل هي لحظة تتكثف فيها سنوات من البحث، والتحول الذاتي، والالتزام العلمي والأخلاقي. في علم النفس، تتجاوز هذه اللحظة اختبار المعرفة النظرية لتصبح التقاءً عميقًا بين العلم، والتجربة، والإنسان. وقد شكّلت مناقشة أطروحة الدكتورة رندا شعبان نموذجًا لهذا المعنى المركّب، إذ عكست عملًا علميًا صارمًا، وفي الوقت ذاته انخراطًا إنسانيًا عميقًا في الإشكاليات النفسية التي يواجهها الشباب في زمن الأزمات المتراكمة. وقد قدّمت الأطروحة، دراسة متينة مدعّمة نظريًّا واختباريًّا، تناولت إحدى أكثر القضايا إلحاحًا في عالمنا المعاصر: كيف يمكن للإنسان أن يبني نهوضاً مستداماً في ظل الصدمات المتلاحقة، وعدم اليقين، والتهديد الوجودي؟ ففي زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتراكم الصدمات، لم تعُد الصحة النفسية مسألة فردية، بل قضية وجودية تمسّ المجتمعات بأكملها. من هذا المنطلق، شكّلت مناقشة أطروحة الدكتورة رندا غسان شعبان في علم النفس العيادي محطة علمية وإنسانية لافتة، أعادت طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للإنسان أن يبني نهوضًا نفسيًّا يحميه، من الألم والتفكك، والاحتراق النفسي، ويعيد المعنى؟ وقد حملت الأطروحة عنوان: “المناعة النفسية وبناء النهوض المستدام وفق منهج داود: العلاج باللعب والفن والإبداعية”. وأتت لتثبت فاعليّة عميقة للمنهج وتبيّن أنّه يفتح أفقًا جديدًا في علم النفس العيادي عند تقاطع العلم والإبداعية وكرامة الإنسان عبر تقديمه مقاربة علاجية متكاملة تستجيب لتحديات العصر وتراعي خواصّ الإنسان بكليته. وقد شهدت على ولادة هذه الأطروحة إشرافًا ومتابعة الأستاذة الدكتورة جاكلين أيوب. وقد تمّت المناقشة في المعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعة اللبنانية برئاسة أ.د.جيزيل قزعور، والعميد محمد شيا، وأ.د. رشا تدمري، وأ.د. يبلا عون، فبرز تميّز الأطروحة بأعلى تقدير يُعطى.
تمثل مرحلة الشباب المبكر (20–30 سنة) نقطة مفصلية في البناء النفسي للإنسان، حيث تتشكل الهوية، وتشتد لدى البعض الهشاشة العاطفية، وتتزايد المسؤوليات. في السياقين العالمي واللبناني، جاءت المرحلة التي سبقت قرار الأطروحة مثقلة بضغوط استثنائية: انهيار اقتصادي طويل الأمد، عدم استقرار سياسي، صدمات جماعية، أوبئة، آثار حروب وكوارث واعتبارات أدت إلى إحباط وكبت وشلل نفسي وإضعاف المناعة النفسية. الارتفاع المقلق في معدلات القلق، الاكتئاب، العنف، الاحتراق النفسي، والانتحار بين الشباب لا يعكس اضطرابات عابرة، بل يعكس تآكلًا عميقًا في القدرة الداخلية على الصمود. من هُنا بنت الدكتورة شعبان على طروحات جان داود وتقنياته لتقدم مسارات أثبتت جدواها عملياً في مسار الأطروحة. فاستندت الأطروحة في معالجتها للإشكالية على متابعة الباحثة تدريبًا مع البروفسور داود بحسب منهجه، وعلى طروحاته بأن علم النفس المعاصر، وبالتالي العلاج النفسي، لن يحقق الغرض منه إذا اقتصر على إدارة الأزمات أو معالجة الأعراض، بل بات مطالبًا بتطوير نماذج وقائية، تحضيرية، تُحصّن الأصل وتعزز الإنسان من الداخل وتمنع الانهيار، وفي حال أي طارئ أو خلل يكون على أهبة الاستعداد للنهوض المستدام. وفي هذا السياق، تعرض الأطروحة للمفهوم الجديد للمناعة النفسية الذي نظّر له داود ألا وهو: “النهوض المستدام” بوصفه خط الدفاع الداخلي الذي يمكّن الفرد من المواجهة، والصمود، والتخطي، وتنظيم انفعالاته، والعمل تحت الضغوط، واستعادة توازنه، والبناء نحو الأفضل. وقد تمكنت الأطروحة من إثبات فاعلية منهج داود في بناء وتعزيز النهوض المستدام وتحصين المشاركين من الشباب أمام الضغوطات التراكمية والمستمرة التي يعيشونها.
في صلب هذه الأطروحة يبرز منهج داود، الذي أسسه البروفيسور جان داود عام 1981. وهو يشكّل نسقًا علاجيًا وفلسفيًا متكاملًا، يقوم على رؤية شمولية للإنسان جسدًا، ونفسًا، وفكرًا، وروحًا. ويطرح غاية له المطلق الممكن لكل إنسان وفرادته. ويعتمد أركانًا له: الجسد، اللعب، الفن، الإبداعية، الحركة، التعبير الفني، والإيقاع، باعتبارها أدوات أساسية لإعادة للاستصفاء وتنظيم التجربة النفسية. وقد راكم هذا المنهج على مدى أكثر من أربعة عقود خبرة غنية في الممارسة العلاجية، والتكوين في أقسام علم النفس، وورش التدريب. واليوم، يشعر جيل جديد من الباحثين والمعالجين بمسؤولية علمية وأخلاقية لتوثيق هذا الإرث الحي، ودراسته، ونقله أكاديميًا. ً. وقد أثبتت الممارسة السريرية والتطبيقية فعاليّة المنهج مع الأطفال والمراهقين، كبار السن، حالات الإدمان، برامج مكافحة العنف، الاضطراب ثنائي القطب، الناجين من العنف الأسري، ضحايا الزواج المبكر، متضرري الحروب والكوارث، الاكتئاب وصدمات التنمر…. هذا الثبات في النتائج كما تذكر الأطروحة عزز مكانة المنهج كنموذج علاجي إنساني عميق، ينسجم مع تطلعات جيل جديد من المعالجين الباحثين عن المعنى، والاتساق، والكرامة في عملهم. والمنهج يضع أهدافا واضحة
تميّزت الأطروحة بإبراز واحدة من الإسهامات المفاهيمية لمنهج داود: “النهوض المستدام”، وهو مفهوم يتجاوز فكرة “التكيّف” أو “العودة إلى ما كان عليه الفرد”. فالنهوض المستدام لديه يعني القدرة على المواجهة، والجهوزية الكاملة، والمبادرة المبكرة، والشجاعة والتماسك ، والدافع إلى النهوض المتكرر بوعي متجدد وإبداعية، وتحويل المعاناة إلى طاقة بنّاءة، واستقلال داخلي. ويشمل تكوين حسّ النهوض المستدام تكوين الأصالة، والارتقاء بالوعي، والتواصل مع الذات العميقة، وتنظيم الانفعالات، والحضور الكامل للمبادرة وحل المشكلات، والتحرر من التبعية النفسية. تلك حالة تُبنى بالتجربة، لا صفة يولد بها الإنسان.
شمل العمل شبابًا تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عامًا من بيروت وجبل لبنان، ممن يعانون انخفاضًا في المناعة النفسية والمرونة. خضعت مجموعة منهم لجلسات علاجية وفق منهج داود، فيما لم تتلقَّ المجموعة الأخرى أي تدخل. وقد أظهرت النتائج فروقاً ذات دلالة إحصائية لصالح المجموعة التي خضعت للعلاج وأثبتت تحسنًا ملفتا (ارتفاع عامل النهوض المستدام بمعدل يقارب المائة نقطة)، وارتفاعا في مكوّنات الدافع الحيوي وحب الحياة والإنجاز، التفكير الإيجابي، الضبط الذاتي، تنظيم الانفعالات، حس النهوض المتسدام، ما يعزز مصداقية المنهج علميًا وتطبيقيًا. وبينت الباحثة من منظور علم الأعصاب أن المنهج يتقاطع مع آليات اللدونة العصبية وتنظيم الانفعال، عبر تفعيل الجسد والحواس والانفعالات في آن واحد، وتفعيل تنظيم الانفعالات، وبناء الاستجابات التكيفية، وهو ما يمنحه اتساقًا مع الاكتشافات الحديثة في هذا المجال..
في جوهره الأخلاقي، يؤكد منهج داود على قدسية كرامة الإنسان، من خلال إرساء فضاء علاجي آمن وغير نفعي، يعيد الاعتبار للأصالة الإنسانية في مواجهة نزعات التشييء والبرودة التقنية. لا يُقارب الإنسان بوصفه حالة تحتاج إلى إصلاح، بل ككائن يمتلك طاقات كامنة قابلة للنمو والتشكّل البنّاء. ويشمل هذا المسار المعالج والمتعالج معًا، إذ يخضع المعالج لسيرورة داخلية تعزز بصيرته، وحضوره، واتساقه، وجهوزيته الكلّية، بما يجعله قادرًا على مرافقة الآخر بوصفه حضورًا إنسانيًا حيًا.كما يعزز المنهج قيم المساواة، وقبول الآخر، واللقاء الأصيل، في مواجهة نزعات المادية المتصاعدة .وترى الباحثة أن المنهج يؤسس في عمقه لعلم نفس من أجل الحياة، يربط الممارسة العلاجية بقيم العدالة والمساواة والانفتاح على الآخر، والعمل على بناء ثقافة للسلام، لا سيما في المجتمعات الخارجة من النزاعات والبيئات متعددة الثقافات.
من هذه المنطلقات، تُعدّ أطروحة الدكتورة رندا شعبان إضافة نوعية إلى البحث النفسي العربي، إذ تُقدّم منهجًا أصيلًا يجمع بين الصرامة العلمية، والعمق الإنساني، والحس الإبداعي. وهو منهج حيّ وإنساني، يمنح القيم مكانة أساسية في الوقاية من التقوّض كما في مسارات الشفاء والصفاء ، ويؤكد أن بناء حسّ النهوض المستدام ليس ترفًا، بل ضرورة في عالم تتسارع فيه الانهيارات. وفي زمن يبحث فيه الإنسان عن معنى وسط الفوضى، يقدّم المنهج رؤية لعلم نفس لا يكتفي بتخفيف الألم، بل يحثّ الإنسان ويُعدّه لا للنجاة فحسب، بل للتصدّي وتحويل المعاناة إلى معنى، وإلى نهوض مستدام. .
جدير بالذكر أنّ الدكتورة رندا شعبان، هي معالجة نفسية، تحمل ماستر من الجامعة اللبنانية، ومتدربة على منهج داود. وقد حصلت على درجة الدكتوراه بأفضل تقدير يُمنح في المعهد العالي. وقد شكرت في ختام المناقشة أعضاء اللجنة مشرفة ورئيسة ومناقشين كما خصّت بالشكر الجامعة اللبنانية والمعهد العالي للدكتوراه بشخص عميده حسين رحال.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate