الأحد , فبراير 1 2026

رسائل الماجستير بين التقدير الأكاديمي وجودة البحث العلمي: قراءة نقدية في تراجع المنهجية

 

 

بوابة التربية- كتب د. عدنان يعقوب*:

في السنوات الأخيرة بات من اللافت ـ بل والمقلق ـ أن كثيرًا من مناقشات رسائل الماجستير تُقدَّم بمستوى يبدو مقبولًا من حيث الشكل، وتحصل على تقديرات مرتفعة مثل “جيد جدًا”، بينما تعاني في جوهرها من ضعف واضح في المنهجية العلمية التي يُفترض أن تُميّز البحث الأكاديمي عن أي كتابة عامة.

لقد تحوّل جزء غير قليل من رسائل الدراسات العليا من مشروع علمي قائم على إشكالية دقيقة وفرضيات قابلة للاختبار وعلاقات متغيرات واضحة إلى نصوص أقرب إلى “تقارير مطوّلة” تُجمع فيها المعلومات وتُرتّب داخل قوالب جاهزة، دون أن تُنتج معرفة جديدة أو تُقدّم تفسيرًا علميًا عميقًا يمكن البناء عليه في تطوير الواقع التربوي والتعليمي.

إن البحث العلمي الحقيقي لا يبدأ بعنوان جذّاب ولا بعدد صفحات كبير، بل يبدأ من سؤال مركزي: ما المشكلة؟ ولماذا تستحق الدراسة؟ وكيف يمكن التحقق من أسبابها ونتائجها؟

لكن ما نراه أحيانًا أن الإشكالية تُصاغ بصيغة عامة فضفاضة، والفرضيات تُذكر على سبيل الإجراء الشكلي، والمتغيرات تُعرض دون تحليل حقيقي للعلاقة بينها، ثم تُقدَّم النتائج على شكل استنتاجات جاهزة لا ترتبط بالبيانات ولا تقود إلى تطبيقات تربوية واضحة.

ويعود هذا التحوّل إلى مجموعة عوامل متداخلة؛ من أبرزها ضعف التكوين المنهجي لدى بعض الطلبة قبل دخولهم مرحلة الماجستير، إذ يصل بعضهم دون امتلاك مهارات أساسية مثل صياغة الإشكالية، بناء الفرضيات، تحديد المتغيرات، اختيار المنهج المناسب، وتوظيف أدوات التحليل العلمي. كما أن ضغط الزمن ومتطلبات التخرج يدفع بعض الطلبة إلى التعامل مع الرسالة بوصفها “متطلبًا إداريًا” أكثر من كونها مشروعًا معرفيًا.

إلى جانب ذلك، ساهمت وفرة المصادر الجاهزة وانتشار الاقتباس غير المنضبط في جعل بعض الرسائل تبدو “مكتملة” في المظهر، لكنها تفتقر إلى العمق العلمي والقدرة على المناقشة والتحليل. كما أن بعض أنماط التقييم الأكاديمي ـ حين تركز على التنسيق والعرض أكثر من صرامة المنهج ـ قد تمنح تقديرات مرتفعة لأعمال لا ترتقي إلى مستوى البحث العلمي الرصين.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه بوضوح: هل أصبحت بعض رسائل الماجستير تمرّ من أجل التخرج لا من أجل العلم؟

إن أخطر ما في الأمر ليس ضعف رسالة هنا أو هناك، بل أن يتحوّل هذا الضعف إلى “مستوى طبيعي”، فتفقد الدراسات العليا دورها الحقيقي في إنتاج المعرفة، ويصبح البحث العلمي مجرد وثيقة تُودَع في المكتبة دون أثر في الواقع.

إن استعادة قيمة البحث العلمي تتطلب مراجعة جادة لمنظومة الدراسات العليا، تبدأ من إعادة الاعتبار لتدريس المنهجية بوصفها تدريبًا عمليًا لا مادة نظرية، وتشديد معايير اختيار الموضوعات وربطها بالميدان التربوي، وتعزيز أدوات النزاهة العلمية، وتوجيه التقييم نحو جودة الإشكالية وعمق التحليل لا نحو الشكل فقط. كما يتطلب الأمر دعم الطلبة ليكونوا باحثين حقيقيين لا مجرّد “مُنجزين لرسالة”.

ختامًا، فإن البحث العلمي لا يتراجع حين يقلّ عدد الرسائل، بل يتراجع حين تفقد الرسائل روحها: روح السؤال، وروح المنهج، وروح الفائدة. وما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الرسائل، بل المزيد من “البحث الحقيقي” الذي يضيف معرفة ويصنع فرقًا في التعليم والمجتمع.

 

*باحث وأستاذ جامعي

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

متعاقدو الثانوي: لمنح مهلة وبعدها سيكون المتعاقدون في طليعة أي تحرّك تصعيدي

  بوابة التربية: أعلنت لجنة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الثانوي (مختلف التسميات)، في بيان، إنّ …