الأحد , فبراير 1 2026

الجامعة اللبنانية بين صلابة الدور وصعوبة التحديات

 

 

بوابة التربية- كتب د. حسن زين الدين:

 

تتعرض الجامعة اللبنانية، شأنها شأن سائر المؤسسات الرسمية، لتحديات بنيوية عميقة تفرض تضافر جهود أهل القرار السياسي والمالي، إلى جانب أسرة الجامعة، لتمكينها من تجاوز الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. فالجامعة اللبنانية ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي ركيزة أساسية في بناء الوطن والمواطن، وتمكين النخب، وخدمة المجتمع، ومنارة إشعاع علمي وثقافي وطني.

في هذا السياق، يبذل أهل الجامعة، وفي طليعتهم رئيسها البروفسور بسام بدران، جهودًا حثيثة لحمايتها وضمان استمرارية العمل فيها بصورة طبيعية، برغم  الظروف غير الطبيعية. وقد طاولت هذه الجهود انتقادات واتهامات بالتفرّد في اتخاذ القرار، مع أن أصحاب هذه الاتهامات يدركون، بحكم خبرتهم الطويلة في الجامعة، أن القانون ينص بوضوح على أن إدارة الجامعة تتم عبر رئيس ومجلس جامعة. وفي حال تعطل المجلس، تنتقل صلاحياته إلى رئيس الجامعة مع أخذ موافقة وزير التربية والتعليم العالي.

فالقرارات التي يتخذها رئيس الجامعة تمر، في الغالب، عبر مجالس الوحدات، ثم تُحال إلى الوزير المختص بصفته المرجعية المكملة لمجلس الجامعة. ويجدر التذكير بأن التعطيل السياسي والطائفي هو الذي حال، ولا يزال منذ عام 2018، دون تعيين عمداء أصيلين وتشكيل مجلس الجامعة، ما حمّل رئيسها مسؤوليات استثنائية لا يمكنه التنصل منها.

وعليه، يصبح من الطبيعي أن يتحمل رئيس الجامعة هذه المسؤوليات، وأن تتضافر الجهود لمساندته لا لعرقلة مهامه، لا سيما وأنه أنجز، خلال ولايته، أكثر من مرة ملفات ترشيح أساتذة لمناصب العمداء، إلا أن الدولة لم تبادر حتى الآن إلى استكمال هذا الاستحقاق وإعادة الحياة الأكاديمية إلى دورتها الطبيعية.

ولا بد من التوقف عند جملة من الإنجازات التي تحققت خلال ولاية الرئيس بدران وأسهمت في تأمين استمرارية الجامعة. فقد جرى، بالتعاون مع البنك الدولي، إعداد خطة استراتيجية متكاملة (2024–2028) لتطوير الجامعة والنهوض بها، ويجري العمل على تنفيذ بنودها كما هو مخطط، بالتعاون سابقاً، مع رئيس الحكومة  نجيب ميقاتي ووزير التربية والتعليم العالي عباس الحلبي. واليوم مع الحكومة القائمة.

 

وقد تُرجمت هذه الجهود قفزة نوعية في التصنيفات العالمية، حيث حققت الجامعة اللبنانية مواقع الصدارة محليًا وعربيًا، ومراكز مرموقة عالميًا. وكان العامل الحاسم في هذا الإنجاز استجابة الحكومة لمطالب إنصاف الأساتذة، عبر إدخالهم إلى الملاك، وتحسين أوضاعهم المادية، وتعزيز موازنة صندوق التعاضد، ما أدى إلى استقرار العمل الأكاديمي ودحض الادعاءات التي روّجتها بعض الجامعات التجارية حول شلل الجامعة بفعل الإضرابات.

بالتوازي، خطت الجامعة خطوة مهمة في تطوير بنيتها التحتية من خلال مشروع إنشاء أبنية جامعية في أكثر من محافظة، وقد أُنجزت الدراسات التمهيدية، على أن يبدأ التنفيذ خلال الأسابيع المقبلة.

ولتحرير الجامعة من الارتهان لموازنة سنوية لا تلبي حاجاتها، ولا سيما البحثية منها، ولتوفير فرص عمل لطلابها وباحثيها، اتُخذت خطوات عملية لتحويلها إلى جامعة منتجة عبر اتفاقات وتفاهمات مع القطاع الخاص. وشمل ذلك القطاع الصحي، حيث يقدم المركز الصحي في الحدث خدمات عالية الجودة ومنخفضة الكلفة، إضافة إلى إنشاء معمل في كلية العلوم – الفنار لتصنيع الهواتف الخلوية والألواح الذكية.

أما على صعيد الموظفين، فقد بدأت معالجة إحدى المشكلات المزمنة مع إقرار قانون تثبيتهم عبر المباراة المحصورة، إلى جانب تحسينات مادية تتيح لهم العمل ضمن ظروف أكثر إنصافًا.

ويبقى التحدي الأبرز ملف تفريغ الأساتذة المتعاقدين، الذي تصطدم معالجته بعوائق بعيدة عن المعايير الأكاديمية، ذات طابع طائفي واضح. ومع ذلك، يبقى الأمل معقودًا على حلول قريبة تنصف الأساتذة، وتغني الجامعة بطاقات واعدة، من دون المساس بمستواها الأكاديمي وسمعتها.

إن توجه رئيس الجامعة إلى إعادة إحياء الحياة الطلابية عبر إجراء انتخابات طلابية خلال مهلة قصيرة، بالتوازي مع السعي إلى إنهاء ملف التفرغ وتعيين مجلس الجامعة، يشكل خطوة مفصلية في بعث الحياة الأكاديمية. عندها تعود الجامعة اللبنانية مساحة للعلم والبحث والفكر والمعرفة والثقافة، ومصنعًا حقيقيًا لبناء المواطن والوطن.

فالجامعة اللبنانية ليست مجرد جامعة عامة، بل هي الجامعة الوطنية بامتياز. ودعمها والوقوف إلى جانبها هو وقوف مع الذات، دفاعًا عن مستقبل يستحقه طلابها بجدارة، وعن وطن يستحق أن تكون له جامعة تعبّر عن نبض وطني أصيل، بعيدًا عن أي انعكاسات أو إملاءات خارجية.

 

*عميد سابق – كلية العلومالجامعة اللبنانية

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

ملتقى تربوي حول الذكاء الإصطناعي وتوظيفه في التعليم فرص وتحديات

    بوابة التربية:  نظم مشروع Barmaja الملتقى التربوي تحت عنوان : “الذكاء الإصطناعي وتوظيفه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *