الإثنين , مايو 4 2026

حرية الصحافة والتربية على التعبير في العصر الحديث

 

بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:

في الثالث من أيار من كل عام، يستحضر العالم مناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة بوصفها محطة لا تقتصر على تكريم العمل الصحفي، بل تتجاوز ذلك لتؤكد على قيمة أعمق تتصل ببنية المجتمعات ذاتها، وهي حرية الرأي والتعبير. هذه الحرية لم تنشأ فجأة في صورتها المعاصرة، بل هي ثمرة مسار تاريخي طويل بدأ منذ الحضارات القديمة، حيث ظهرت إرهاصات أولى للنقاش العام في الفضاءات الفكرية والسياسية، وتبلورت تدريجياً مع تطور الفلسفة السياسية في أوروبا الحديثة، وصولاً إلى تكريسها كحق أساسي في النصوص الدولية، ولا سيما في منظومة الأمم المتحدة، التي اعتبرت حرية التعبير حجر الأساس لبقية الحقوق.

وقد شكّل إعلان ويندهوك عام 1991، برعاية اليونسكو، محطة مفصلية في ربط حرية التعبير بحرية الصحافة بشكل مباشر، إذ أكد أن وجود إعلام مستقل وتعددي ليس فقط ضرورة سياسية، بل شرط معرفي وثقافي لضمان تداول الأفكار ونمو المجتمعات. من هنا، لم يعد الحديث عن الصحافة منفصلاً عن السياق التربوي، بل أصبح امتداداً له، لأن القدرة على التعبير والنقد لا تُولد في غرف الأخبار، بل تُبنى منذ المراحل الأولى في المدرسة.

في هذا الإطار، يكتسب الربط بين حرية الصحافة والتربية بعداً استراتيجياً. فالنظم التعليمية الحديثة لم تعد تكتفي بتلقين المعرفة، بل تسعى إلى تنمية التفكير النقدي، وتعزيز مهارات الحوار، وتدريب الطلاب على تحليل المعلومات وتمييز الصحيح منها، وهي مهارات تتقاطع بشكل مباشر مع جوهر العمل الصحفي. إن إدماج مفاهيم حرية التعبير في المناهج التربوية لا يهدف فقط إلى تكوين أفراد قادرين على إبداء آرائهم، بل إلى إعداد مواطنين يمتلكون وعياً إعلامياً يمكنهم من التفاعل المسؤول مع الفضاء العام، خصوصاً في ظل التدفق الهائل للمعلومات في العصر الرقمي.

وتبرز أهمية هذا البعد التربوي في مواجهة التحديات الراهنة التي تعترض حرية الصحافة. فمع تصاعد ظاهرة التضليل الإعلامي وانتشار الأخبار الزائفة، لم يعد الخطر مقتصراً على تقييد حرية النشر، بل امتد ليشمل تشويه الوعي العام ذاته. وهنا، تلعب التربية دوراً حاسماً في بناء ما يُعرف بـ“المناعة الإعلامية”، أي قدرة الأفراد على التحقق من المعلومات وفهم السياقات وتحليل الخطاب الإعلامي. من دون هذا الأساس التربوي، تصبح حرية الصحافة مهددة ليس فقط من السلطة، بل من الفوضى المعلوماتية التي تفقد الحقيقة معناها.

في المقابل، لا يمكن تجاهل التحديات السياسية والاقتصادية التي تؤثر على الإعلام، والتي تنعكس بدورها على البيئة التربوية. فحين تُقيد حرية الصحافة أو تُوجّه، ينعكس ذلك على طبيعة المعرفة المتاحة، وعلى قدرة المؤسسات التعليمية في تقديم محتوى متوازن وموضوعي. كما أن الأزمات الدولية والتوترات الجيوسياسية تدفع في كثير من الأحيان إلى توظيف الإعلام كأداة للصراع، ما يفرض على التربية مسؤولية مضاعفة في ترسيخ قيم الموضوعية والاستقلالية لدى الأجيال الجديدة.

إن الاحتفال بـ اليوم العالمي لحرية الصحافة يكتسب، في هذا السياق، معنى أعمق حين يُقرأ من زاوية تربوية. فهو ليس مجرد مناسبة مهنية تخص الصحافيين، بل فرصة لإعادة التفكير في كيفية إعداد الأجيال القادمة للتعامل مع حرية التعبير بوصفها مسؤولية بقدر ما هي حق. فالمجتمع الذي يسعى إلى حماية صحافته لا بد أن يبدأ بحماية حق أفراده في التعلم والتفكير والنقاش، لأن الصحافة الحرة هي في جوهرها انعكاس لمجتمع متعلم، ناقد، وقادر على إنتاج المعرفة وصون الحقيقة.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

رابطة متفرغي اللبنانية تُعلن الإضراب في جميع فروع الجامعة يومي الأربعاء والخميس

      بوابة التربية: أعلنت الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية، تبنيها …