الإثنين , مايو 4 2026

لا تُنقذ الجامعات بتمديد ولاية بل بإعادة بناء القواعد الناظمة

 

 

بوابة التربية- كتب د.نزيه الخياط:  النقاش حول تعديل القانون رقم 66/2009، لا سيما لجهة إلغاء مبدأ عدم تجديد ولاية رئيس الجامعة اللبنانية والعمداء، يتجاوز كونه تعديلاً إجرائياً، ليطال جوهر النظام المؤسسي الذي يحكم هذه المؤسسة الوطنية…

في لحظةٍ كان يُفترض أن تتقدّم فيها الجامعة اللبنانية نحو إصلاحٍ بنيوي يعيد لها دورها الوطني، يجري الدفع باتجاه تعديلات تُكرّس اختلالاتها، في مشهدٍ يختلط فيه التخبّط الإداري بالعبث المؤسسي، ويستبدل فيه بالحوكمة منطق التمديد.

ويجد هذا المسار ترجمته الأوضح في النقاش حول تعديل القانون رقم 2009/66، إذ لم يعد الأمر يتعلق بتفصيل إداري أو مجرد نقاش تقني، بل بات يمسّ جوهر توزيع السلطة داخل الجامعة، ويتحوّل إلى اختبار حقيقي لاتجاه الدولة في إدارة واحدة من أهم مؤسساتها الوطنية.

*اختبار الدولة في إدارة الجامعة

في هذا السياق، لا يمكن فصل هذا النقاش عن مسؤوليات السلطة التنفيذية، بما تمثله من مرجعية دستورية وسياسية قادرة على ترجيح مسار الإصلاح أو تكريس الخلل، إذ إن موقع رئاسة الجمهورية، بما يرمز إليه من ضامن للتوازنات، ودور رئاسة الحكومة في توجيه السياسات العامة، يجعلان من هذا الملف أكثر من شأن جامعي داخلي، بل قضية تتصل بخيارات الدولة في حماية مؤسساتها من الانزلاق نحو مزيد من التفكك والتحلل .

إن أي مقاربة لهذا التعديل، بمعزل عن إعادة النظر في بنية السلطة داخل الجامعة ومركز اتخاذ القرار فيها ، تطرح سؤالاً جوهرياً: هل المطلوب فعلاً تعزيز استمرارية المؤسسة، أم تكريس استمرارية الأشخاص في ظل نظام مركزي لم يخضع لإصلاح فعلي منذ عقود؟

إن النقاش حول تعديل القانون رقم 66/2009، لا سيما لجهة إلغاء مبدأ عدم تجديد ولاية رئيس الجامعة اللبنانية والعمداء، يتجاوز كونه تعديلاً إجرائياً، ليطال جوهر النظام المؤسسي الذي يحكم هذه المؤسسة الوطنية، وما يرتبط به من توازنات دقيقة بين السلطة الفردية والعمل الأكاديمي الجماعي.

لقد قام هذا القانون، في فلسفته الأصلية، على مبدأين متلازمين: المداورة في السلطة الأكاديمية، ومنع تمركز القرار بيد فرد واحد. ولم يكن ذلك خياراً تقنياً، بل استجابة واعية لتجارب سابقة أظهرت مخاطر تسييس المواقع الأكاديمية وتحويلها إلى مراكز نفوذ، كما هو الواقع اليوم .

*عندما تتحوّل الاستمرارية إلى تركّز للسلطة

إلا أن التعديل المطروح اليوم، تحت عنوان “ضمان الاستمرارية”، ينطوي على إشكالية بنيوية، إذ يفترض ضمناً أن استمرارية الجامعة مرتبطة بشخص الرئيس، لا بالمؤسسة. وهو افتراض يتعارض مع أبسط قواعد العمل الأكاديمي، حيث تُبنى السياسات على التراكم المؤسسي لا على الامتداد الشخصي.

والأخطر من ذلك، أن هذا التعديل يأتي من دون أي مراجعة موازية للصلاحيات الواسعة الممنوحة لرئيس الجامعة، وهي صلاحيات بقيت شبه ثابتة منذ تأسيس الجامعة. وعليه، فإن الجمع بين قابلية التجديد واستمرار تركّز القرار يؤدي عملياً إلى تراكم السلطة الأكاديمية بيد فرد واحد لفترة ممتدة، بما يتناقض مع مبادئ الحوكمة الجامعية الرشيدة.

إن هذا المسار التشريعي يعكس قصوراً في تقدير التداعيات المؤسسية للتعديل، وافتقاراً إلى مقاربة شمولية تأخذ في الاعتبار توازن الصلاحيات ومتطلبات الحوكمة الأكاديمية الحديثة، بحيث يُخشى أن يتحول التعديل من أداة لمعالجة الخلل إلى عامل مفاقم له.

ويأتي ذلك في سياق لم تُعالج فيه بعد اختلالات بنيوية مقلقة، من بينها:

  • شبهات التزوير والغش وتسريب الأسئلة في بعض الاستحقاقات الجامعية؛
  • ضعف آليات الرقابة والمساءلة؛
  • اختلال معايير التعيين الأكاديمي، إذ تتداخل أحياناً اعتبارات غير أكاديمية مع معايير الكفاءة والنزاهة.

ومن دون تعميم هذه الظواهر، فإن مجرد وقوعها خلال السنوات الماضية يفرض الانتقال من المعالجة الظرفية إلى المأسسة القانونية للرقابة والمحاسبة.

كما لا يمكن إغفال مؤشر بالغ الدلالة خلال الولاية الحالية، يتمثل في تراجع حصة خريجي الجامعة اللبنانية من حاجات سوق العمل على المستويات اللبنانية والعربية والدولية، وهو ما يعكس خللاً في مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات السوق. ويُشير ذلك إلى غياب خطة استراتيجية متكاملة للنهوض بالجامعة، تشمل:

  • تحديثاً مستداماً للمناهج عبر نسبة وازنة من الكليات؛
  • تطوير المهارات التطبيقية والتقنية من خلال مختبرات حديثة؛
  • وتعزيز حضور الأساتذة والطلاب في المؤتمرات العلمية المصنّفة دولياً.

إن استمرار هذا التراجع، بالتوازي مع توسيع صلاحيات القيادة الأكاديمية من دون إصلاحات بنيوية، يفاقم المخاطر بدل معالجتها.

 *الإصلاح المؤسسي بديلاً عن الوهم التصنيفي بين ولاية رئاسة الجمهورية وولاية رئاسة الجامعة* 



ويُضاف إلى ذلك إشكال منهجي يتمثل في الاستناد الانتقائي إلى تصنيفات جامعية غير مثبتة المعايير لتسويق موقع الجامعة، رغم الجدل العلمي المتزايد حول صدقية هذه التصنيفات، إذ تعتمد العديد من أنظمة التصنيف الدولية على مؤشرات كمية ومنهجيات غير شفافة، لا تعكس بالضرورة الجودة الفعلية للتعليم أو الأثر الحقيقي للبحث العلمي.

- في هذا السياق، يكتسب قرار Sorbonne University بالانسحاب من تصنيفات Times Higher Education اعتباراً من عام 2026 دلالة خاصة، إذ جاء اعتراضاً على منهجيات تقييم “صندوق أسود” تفتقر إلى الشفافية والدقة، وتُخضع الجامعات لمنطق تنافسي تجاري لا يعكس رسالتها الأكاديمية. وقد ربطت الجامعة هذا القرار بالتوجه نحو مبادئ “العلوم المفتوحة” وتعزيز تقييم البحث العلمي على أساس جودته وأثره المجتمعي، لا على أساس مؤشرات كمية مجتزأة، بما يعيد تعريف استقلالية الجامعة بعيداً عن منطق “السوق الأكاديمي”.

إن هذه السابقة العالمية تُظهر أن الرهان على التصنيفات، بمعزل عن إصلاح فعلي للبنية الأكاديمية، لا يشكّل مؤشراً موثوقاً إلى النهوض الجامعي، بل قد يحجب مكامن الخلل بدل معالجتها.

وفي المقارنة مع تجارب إصلاحية معاصرة، يتبيّن أن الاتجاه الغالب في تحديث أنظمة التعليم العالي لم يقم على توسيع صلاحيات القيادة الفردية أو إطالة ولاياتها، بل ارتكز إلى إعادة توزيع السلطة وتعزيز الحوكمة المؤسسية.

- ففي النموذج الغربي، أظهرت إصلاحات Higher Education and Research Act 2017 توجهاً نحو تعزيز دور المجالس الأكاديمية المنتخبة وربط القرار الاستراتيجي بهياكل جماعية تخضع للمساءلة.
-أما في النموذج العربي، فقد اعتمدت King Abdullah University of Science and Technology إطار حوكمة متقدماً يقوم على مجلس أمناء مستقل وإدارة تنفيذية خاضعة للتقييم الدوري وربط الأداء الأكاديمي بمؤشرات عالمية واضحة.

وتؤكد هذه النماذج أن الاستقرار الحقيقي في المؤسسات الجامعية لا يتحقق عبر استمرارية الأشخاص، بل عبر استمرارية القواعد وتعزيز استقلالية الهيئات وترسيخ آليات المحاسبة والشفافية.

وعليه، فإن أي تعديل يجيز التجديد يجب أن يُربط حكماً بنص صريح يقضي بتعليق نفاذه إلى حين إقرار وتنفيذ حزمة إصلاحات تشريعية متكاملة، تشمل على وجه الخصوص:

أولاً: إعادة توزيع الصلاحيات داخل الجامعة وفق تشريعات واضحة غير قابلة للاجتهاد، بما يعزز دور مجلس الجامعة ومجالس الكليات ويحد من القرارات الانفرادية.

ثانياً: إنشاء جهاز تفتيش أكاديمي مستقل يتمتع بصلاحيات تحقيق ومساءلة فعلية.

ثالثاً: إقرار معايير شفافة وموحدة للتعيينات الأكاديمية قائمة على الكفاءة وتكافؤ الفرص.

رابعاً: اعتماد آليات واضحة للمحاسبة والتقييم الدوري للأداء الإداري والأكاديمي.

*بين ولاية رئاسة الجمهورية وولاية رئاسة الجامعة

وفي سياق دلالي لادستوري، تبرز مفارقة لافتة: إذ حرص الدستور اللبناني على تكريس مبدأ عدم تجديد ولاية رئيس الجمهورية مباشرة، صوناً لتوازن السلطة وتداولها ومنعاً لتمركزها من دون سقف زمني لها، فيما يُصار إلى توسيع إمكانات التجديد في مؤسسة أكاديمية من دون ضوابط موازية تعيد توزيع الصلاحيات.

إن هذه المقارنة لا تُساق كحجة قانونية، بل كمؤشر رمزي إلى اتجاه تشريعي يُخشى أن يغلّب الاستمرارية الشكلية على مقتضيات الحوكمة المؤسسية.

إن الإمعان في إقرار تعديلات تمسّ جوهر البنية الأكاديمية، من دون قراءة معمّقة لتداعياتها، لا يعكس فقط خفة واستعجالاً تشريعياً، بل يثير تساؤلات جدية حول مدى الكفاءة والإحاطة بالاعتبارات القانونية والمؤسسية التي يفترض أن تحكم مثل هذه القرارات.

*الاستنتاج

لذلك، فإن التحدي اليوم لا يكمن في تمديد ولاية أو تعديل نص، بل في استعادة المعنى المؤسسي للجامعة اللبنانية. فإما أن تكون هذه اللحظة مدخلاً لإصلاح حقيقي يعيد توزيع السلطة ويحصّن الحوكمة، وإما أن تتحول إلى محطة مفصلية في تكريس إنحدارها الحتمي.
 وفي الحصيلة، لا تُنقذ الجامعات بتمديد ولاية، بل بإعادة بناء القواعد الناظمة التي تجعل من تداول المسؤولية ضمانةً للاستمرارية، لا مصدر تهديد لها.

 

*رئيس مجلس إدارة صندوق تعاضد أساتذة الجامعة اللبنانية سابقاً

المصدر: النهار

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

حرية الصحافة والتربية على التعبير في العصر الحديث

  بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين: في الثالث من أيار من كل عام، …