
بوابة التربية- كتب حسن خضر*:
في وقتٍ يرزح فيه لبنان تحت وطأة عدوانٍ غاشم، يجد القطاع التربوي نفسه أمام تحدٍّ مصيري يتجاوز مجرد تنظيم الامتحانات الرسمية. ومع بروز طروحات وزارية لاستبدال النظام التقليدي القائم على دورة عادية وأخرى استثنائية، بنظام «الدورات الثلاث» (دورتان عاديتان تتبعهما دورة استثنائية)، تصاعدت الأصوات التربوية المطالِبة بوقفة ضمير تعيد قراءة الواقع بعيداً عن محاولات حسنة النية لا شك، لكنها قد تزيد الأزمة تعقيداً.
الجنوب: حين تتحول السجلات إلى رماد
لا يمكن مقاربة ملف الامتحانات من دون الانحناء أمام مأساة طلاب الجنوب والنبطية والضاحية الجنوبية، وغيرهم ممن اضطروا إلى ترك مقاعدهم الدراسية واستضافة عائلاتهم النازحة. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في لوائح رسمية، بل طلاب دُمّرت ثانوياتهم، واحترقت مستنداتهم، واختفت سجلاتهم، وتشتّتت عائلاتهم في رحلة نزوح قاسية، ناهيك عن طلاب عالقين في مناطق وقرى جنوبية وفي ظروف قاهرة.
هؤلاء الذين يدفعون ضريبة الكرامة والصمود، يواجهون اليوم ضياعاً تربوياً لا يمكن ترميمه بـ«دورة ثانية» تفصلها عن الأولى أسابيع قليلة. فكيف لطالب يصارع قسوة النزوح وفقدان الاستقرار النفسي أن يستعد لامتحان مصيري في غضون أيام؟
نظام الدورات الثلاث: هواجس مشروعة
يرى مراقبون أن طرح الدورتين العاديتين، رغم ما يحمله ظاهرياً من بُعد إنساني يهدف إلى منح فرصة إضافية للطلاب غير الجاهزين، ينطوي على مخاطر تربوية وإدارية جدية، أبرزها:
تخوف من الطبقية التربوية: إذ قد يخلق هذا النظام فرزاً غير معلن بين «شهادة الدورة الأولى» و«شهادة الدورة الثانية»، بما يضرب مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين الطلاب.
الأعباء المالية:
في ظل التهويل المستمر بالوضع المالي، تُطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى إنفاق مبالغ إضافية على تنظيم دورات متكررة، فيما تبدو الأولوية أكثر إلحاحاً لدعم الأساتذة وتأمين متطلبات التعليم للطلاب النازحين.
إرهاق الهيئة التعليمية:
إن وضع الأساتذة والمعلمين أمام ضغط المراقبة والتصحيح لثلاث دورات متتالية يشكل استنزافاً تربوياً وإدارياً، في وقت لم يبقَ لهم فيه حتى الحد الأدنى من الاستقرار أو الراحة الصيفية.
الإشكالية القانونية:
يحتاج أي تعديل للنظام المعتمد إلى مرسوم صادر عن مجلس الوزراء، أو إلى مرسوم استثنائي تفرضه ظروف الحرب، في وقت يُفترض أن تنصبّ الجهود أيضاً على إقرار حقوق الأساتذة، لا الاكتفاء بزيادة أعبائهم.
خارطة طريق للعدالة التربوية:
بدلاً من الحلول المجتزأة، يبرز طرح أكثر واقعية ومسؤولية، يرتكز على الخطوات التالية:
إجراء مسح ميداني فوري: عبر تكليف رابطة أساتذة التعليم الثانوي ومديرية التعليم الثانوي بإعداد دراسة ميدانية شاملة لمتابعة أوضاع الطلاب في مراكز الإيواء والثانويات المتضررة، وتحديد حجم الفاقد التعليمي الحقيقي.
أولوية الدعم قبل الامتحانات: إنهاء العام الدراسي للمراحل الانتقالية فوراً، وتخصيص الأسابيع المقبلة كفترة دعم أكاديمي ونفسي لطلاب الشهادات الرسمية، ولا سيما النازحين منهم، بإشراف تربوي متخصص.
إصدار نماذج رسمية للامتحانات: بحيث تضع لجان المواد نماذج استرشادية واضحة لكل مادة، تساعد الطلاب على تخطي العقبات النفسية وتعزيز الجهوزية للامتحانات.
دورة واحدة تحفظ الكرامة: عبر دمج الجهود في دورة امتحانية واحدة موحّدة ومؤجّلة لأسابيع محددة، على أن تراعي الأسئلة الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، من دون المساس بجوهر الشهادة اللبنانية وقيمتها الأكاديمية، مع درس إمكانية إعطاء إفادات لمن تمنعه الظروف من الترشح.
إن الحفاظ على قيمة الشهادة اللبنانية يبدأ من احترام كرامة الطالب والأستاذ معاً. والمطلوب اليوم ليس تعدد الدورات، بل قرارات شجاعة وعادلة من وزيرة التربية المخلصة لعملها، تنصف الطلاب الصامدين، وتؤمّن تكافؤ الفرص بين جميع أبنائنا، ليبقى لبنان، رغم الجراح، منارةً للتربية والعلم.
وكفى الله التربويين… شرّ الاجتهادات.
*مسؤول العلاقات الاعلامية في رابطة أساتذة التعليم الثانوي
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate