السبت , يوليو 4 2026
أخبار عاجلة

من اقتصاد الوظائف إلى اقتصاد المهارات: إعادة تعريف التعليم والتوجيه المهني في لبنان

 

 

بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:

لم تعد التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة خلال العقدين الأخيرين تطرح سؤالًا حول قدرة الدول على خلق فرص عمل إضافية، بل باتت تفرض سؤالًا أكثر عمقًا يتعلق بقدرتها على إعداد رأس مال بشري قادر على التكيّف مع اقتصاد يعاد تشكيله باستمرار. وفي هذا السياق، لم يعد نجاح أنظمة التعليم يُقاس ببنيتها المؤسسية أو بعدد خريجيها، بل بمدى قدرتها على تحويل المعرفة إلى مهارات إنتاجية قابلة للتوظيف داخل اقتصاد قائم على المعرفة والبيانات والذكاء الاصطناعي.

وفي لبنان، تكتسب هذه الإشكالية أهمية مضاعفة، إذ لا يزال النقاش العام يتمحور حول بطالة الخريجين بوصفها المشكلة الأساسية، بينما تكشف الأدبيات الدولية أن البطالة ليست سوى نتيجة متأخرة لاختلال بنيوي أعمق يتمثل في غياب منظومة متكاملة لإدارة رأس المال البشري، تبدأ من التعليم المدرسي، وتمر عبر التوجيه المهني، ولا تنتهي عند مرحلة الاندماج في سوق العمل، بل تمتد إلى قدرة الاقتصاد على استيعاب المهارات وتطويرها بصورة مستمرة.

وتعكس التحولات الاقتصادية خلال العقدين الأخيرين انتقالًا هيكليًا من اقتصاد قائم على الوظائف إلى اقتصاد قائم على المهارات، حيث لم تعد الوظيفة وحدة التحليل الأساسية، بل أصبحت المهارة هي الوحدة الاقتصادية الفعلية. ويشير تقرير Future of Jobs Report 2023 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن 44% من المهارات الأساسية للعاملين ستتغير بحلول عام 2027، وأن ستة من كل عشرة عاملين سيحتاجون إلى التدريب أو تطوير مهاراتهم خلال الفترة نفسها، بما يعكس تحولًا جذريًا في بنية سوق العمل العالمي، وليس مجرد تحديث تقني محدود. ويعني ذلك أن الحصول على شهادة جامعية لم يعد كافيًا لضمان الاستقرار المهني، بل أصبحت القدرة على اكتساب مهارات جديدة وتحديثها بصورة مستمرة شرطًا أساسيًا للاستمرار في سوق عمل سريع التغير.

وفي موازاة ذلك، تؤكد بيانات البنك الدولي ضمن إطار Human Capital Project أن الاستثمار في رأس المال البشري يرتبط مباشرة بزيادة الإنتاجية والنمو الاقتصادي طويل الأمد، وأن الدول التي تنجح في رفع مؤشرات المهارات لديها تصبح أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتعزيز تنافسيتها الاقتصادية، لأن المستثمرين اليوم لا ينظرون إلى البنية التحتية أو الاستقرار المالي فحسب، بل أيضًا إلى جودة القوى العاملة ومدى جاهزيتها للتعامل مع اقتصاد معرفي متسارع.

وتنعكس هذه التحولات العالمية بوضوح في الاقتصادات النامية، حيث تصبح فجوة المهارات أكثر حدة، وهو ما يظهر بصورة جلية في الحالة اللبنانية. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن ما بين 60% و70% من الشركات في المنطقة تواجه صعوبة في إيجاد العمالة المزوّدة بالمهارات المطلوبة، فيما تكشف دراسة للبنك الدولي حول لبنان أن 76% من شركات التكنولوجيا ترى وجود فجوة مباشرة بين مخرجات التعليم الجامعي واحتياجات السوق، وأن 88% منها تواجه صعوبة فعلية في توظيف الكفاءات المناسبة.

ويعكس هذا الاختلال البنيوي غياب رؤية وطنية متكاملة لإدارة رأس المال البشري، إذ تُختار المسارات الأكاديمية غالبًا بعيدًا عن بيانات اقتصادية دقيقة، وفي ظل ضعف منظومة الإرشاد المهني القادرة على ربط الطلاب منذ المراحل الدراسية الأولى بالتحولات الفعلية في سوق العمل. ونتيجة لذلك، تتحول سنوات التعليم إلى استثمار منخفض العائد، ليس على مستوى الفرد فحسب، بل على مستوى الاقتصاد الوطني أيضًا.

وتشير European Training Foundation (ETF) إلى أن غياب منظومة وطنية للإرشاد المهني في لبنان يشكل أحد أبرز العوائق أمام تحسين الانتقال من التعليم إلى سوق العمل، في ظل غياب قواعد بيانات محدثة حول المهارات المطلوبة، وضعف الربط بين المؤسسات التعليمية والقطاعات الاقتصادية.

وفي السياق ذاته، تؤكد UNICEF أن إدماج التعليم التطبيقي في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) يسهم في تعزيز مهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، والابتكار، وهي مهارات أصبحت اليوم جزءًا من البنية الأساسية للاقتصاد الحديث، وليست مجرد إضافات تعليمية. كما أن هذا التوجه يعزز التعلم القائم على التطبيق والتجربة، وينقل الطالب من دور المتلقي للمعرفة إلى دور المشارك في إنتاجها، وهو ما يتوافق مع متطلبات الاقتصاد القائم على الابتكار.

كما تؤكد منظمة العمل الدولية (ILO) أن فعالية أنظمة التعليم والتدريب لا تُقاس بعدد البرامج التعليمية، وإنما بقدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة في سوق العمل، وإعادة تطوير المهارات بصورة مستمرة بما ينسجم مع التغيرات التكنولوجية.

ماذا تعلمنا التجارب الدولية؟

تظهر التجارب الدولية أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب إعادة هندسة العلاقة بين التعليم والاقتصاد. ففي فنلندا، وفق تقرير OECD Education Report 2022، يُدمج التوجيه المهني داخل النظام التعليمي منذ المراحل المدرسية المبكرة، بحيث ترتبط اختيارات الطلاب بقدراتهم الفردية وبالمعطيات الاقتصادية، الأمر الذي يقلل فجوة عدم التوافق بين التعليم وسوق العمل قبل ظهورها.

أما في الصين، فقد بدأت وزارة التعليم منذ عام 2022 بإدماج الذكاء الاصطناعي تدريجيًا في المناهج الدراسية بهدف بناء مهارات رقمية مبكرة لدى الطلاب وتعزيز قدرتهم على التعامل مع التقنيات الحديثة. ووفق UNESCO (2023)، فإن هذا التوجه لا يستهدف استبدال الإنسان بالتكنولوجيا، بل تنظيم العلاقة بين الإنسان والآلة ضمن إطار تربوي متدرج يؤسس لانتقال متوازن نحو الاقتصاد الرقمي.

ويعكس ذلك تحولًا أعمق في مفهوم التعليم نفسه، إذ لم يعد الهدف نقل المعرفة فقط، بل بناء قدرة مستمرة على التعلم وإعادة التعلم. فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف بقدر ما يعيد تشكيلها، ويغير طبيعة المهارات المطلوبة داخلها، لينتقل سوق العمل تدريجيًا من مفهوم “الاختصاص الثابت” إلى مفهوم “المسار المهني المرن”.

وفي ضوء هذه التحولات، يواجه لبنان تحديًا مؤسساتيًا يتمثل في غياب سياسة وطنية متكاملة لإدارة رأس المال البشري، وهو ما يؤدي إلى استمرار الانفصال بين التعليم والاقتصاد، ويحدّ من قدرة المؤسسات التعليمية على توجيه الطلاب نحو المسارات التي تتوافق مع احتياجات السوق، الأمر الذي يفاقم هجرة الكفاءات ويحولها إلى خسارة تراكمية في رأس المال البشري.

ولا تقتصر هذه الخسارة على فقدان القوى العاملة المؤهلة، بل تمتد إلى ضياع الاستثمارات التي أُنفقت على تعليمها داخل البلاد، بما ينعكس سلبًا على الإنتاجية والقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني على المدى الطويل.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء منظومة وطنية لإدارة رأس المال البشري، تبدأ بإنشاء مرصد وطني لسوق العمل يوفر بيانات محدثة حول المهن والمهارات المطلوبة، وتمر بإدماج الإرشاد المهني بصورة منهجية في التعليم المدرسي، وصولًا إلى بناء شراكات فعلية بين الجامعات والقطاعات الاقتصادية. كما يقتضي الأمر دمج المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي في مختلف التخصصات، بحيث تصبح جزءًا من الثقافة الأكاديمية العامة، لا مجرد اختصاصات تقنية محدودة.

وفي المحصلة، لم يعد التعليم قطاعًا منفصلًا عن الاقتصاد، ولم يعد التوجيه المهني خدمة مرافقة للعملية التعليمية، بل أصبح أحد أهم أدوات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي نظام تعليمي لم يعد يُقاس بعدد الخريجين، وإنما بقدرته على إعداد أفراد يمتلكون المهارات التي يحتاجها اقتصاد سريع التغير. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة تعريف الاستثمار في التعليم والتوجيه المهني في لبنان ليست مجرد إصلاح تربوي، بل تمثل استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الدولة، وفي قدرتها على الاحتفاظ بكفاءاتها، وتعزيز تنافسيتها، وبناء اقتصاد أكثر إنتاجية واستدامة.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

الحركة عن إمتحانات المهني: سنقاطع كل الأعمال المرتبطة بها

    بوابة التربية: اعتبر رئيس رابطة أساتذة التعليم المهني والتقني، فاروق الحركة، في حديث …