
بوابة التربية- كتب د. هلال درويش*:
لم يعد ملف التفرغ في الجامعة اللبنانية مطلبًا نقابيًا، بل أصبح استحقاقًا وطنيًا بامتياز. فهو حق للجامعة في استكمال ملاكها الأكاديمي، وحق للطالب في أستاذ متفرغ للتعليم والبحث العلمي، وحق للأستاذ الذي أفنى عمره في خدمة الجامعة الوطنية، صابرًا على الأزمات، ومؤمنًا برسالتها، وحاملًا عبء استمرارها في أحلك الظروف.
وقد استقبل الأساتذة بكثير من الأمل وعد فخامة رئيس الجمهورية بإنجاز هذا الملف، ثم جاء قرار مجلس الوزراء في شباط 2026 ليقر التفرغ على أربع دفعات، على أن تبدأ الدفعة الأولى في الأول من أيلول 2026. ورغم التحفظات على هذا التقسيط، قَبِل به الأساتذة حرصًا على المصلحة العامة، وإيمانًا بأن التنازل اليوم خير من تعطيل الملف إلى أجل غير معلوم.
لكن الوقت يداهم الجميع، وما تزال أسماء الدفعة الأولى حبيسة الأدراج. وإعلانها لم يعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة ملحة، كي يتمكن الأساتذة من فك ارتباطاتهم المهنية الخارجية، وترتيب أوضاعهم بما ينسجم مع متطلبات التفرغ، قبل انطلاق العام الجامعي ٢٠٢٦/ ٢٠٢٧م، وقد ضاقت المهلة إلى حدها الأقصى.
أما العودة إلى ذريعة عدم توافر الاعتمادات المالية، فلم تعد تقنع أحدًا، في وقت تُقر فيه اعتمادات لمئات الوظائف والهيئات الناظمة والقطاعات الأخرى. فهل يعقل أن تعجز الدولة عن تمويل جامعتها الوطنية، وهي الاستثمار الأكثر جدوى وربحًا على المدى المتوسط والبعيد؟
لقد أثبت الأستاذ المتعاقد، الذي يشكل اليوم الغالبية الساحقة من الهيئة التعليمية، أنه العمود الفقري للجامعة اللبنانية، وهو شريك أساسي في الإنجازات العلمية والتصنيفات الأكاديمية التي حققتها الجامعة رغم الانهيار المالي والإداري.
والخشية اليوم أن يبدأ العام الجامعي بإضراب مفتوح، لا رغبةً في التصعيد، بل بعد استنفاد الصبر. وحينها لن يكون الخاسر الأستاذ وحده، بل الطالب، والجامعة، والدولة، التي قد تجد أبناءها يتجهون قسرًا إلى الجامعات الخاصة.
إن المطلوب اليوم واضح: الإسراع في إصدار أسماء الدفعة الأولى، والالتزام بقرار مجلس الوزراء، وترجمة الوعود إلى أفعال. فالمسألة لم تعد تحتمل مزيدًا من التأجيل.
فالجامعة اللبنانية تستحق، وأساتذتها يستحقون، وطلابها يستحقون. ويبقى الأمل أن يترجم وعد فخامة رئيس الجمهورية إلى قرار نافذ، لأن الوعد دين، ووفاء الدولة بوعودها هو أساس الثقة بها، وصونًا لجامعتها الوطنية.
*أستاذ في الفلسفة والاقتصاد في الجامعة اللبنانية
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate