الجمعة , سبتمبر 4 2026
أخبار عاجلة

اليوم الثاني من مؤتمر المدارس الكاثوليكية: مهنة التعليم في عصر الذكاءات الجديدة: رسالة تتجدّد

 

 

 

بوابة التربية: تواصلت لليوم الثاني  في حرم مدرسة سيدة اللويزة – زوق مصبح، أعمال المؤتمر السنويّ الثاني والثلاثين للمدارس الكاثوليكية في لبنان، الذي يُعقد هذا العام تحت عنوان “مهنة التعليم في عصر الذكاءات الجديدة: رسالة تتجدد”.

ابتدأ اليوم الثاني بوقفة روحيّة قدّمها تلامذة مدرسة فتاة لبنان لراهبات القربان الأقدس المرسلات – بيت حباق.

ثمّ انعقدت الجلسة الأولى التي أدارت الحوار فيها البروفسورة ريتا نبوت قزي، أستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانيّة، استعرضت الدكتورة باسكال توسكاني الباحثة في جامعة مونبولييه – فرنسا، بمداخلة مسجّلة، كيف يعيد علم الأعصاب تشكيل مفهوم الذكاء، كاشفة عن دماغ تنبؤي يتعلّم عبر الفرضيات ويتطوّر من خلال الخطأ، وحذّرت من خطر “نزع الملكيّة المعرفيّة” جراء الذكاء الاصطناعي، الذي قد يضعف الذاكرة والانتباه إن فكّر بدلاً عن الانسان، وصحّح أخطاءه دون تفسير. وأكدت أنّ المدرسة يجب أن تجعل التفكير النقديّ أولوية، وأن تركّز على الممارسات الفعّالة كالتغذية الراجعة والاعادة والتكرار المتباعد والتعلّم بالمشاريع.

بدوره، اعتبر البروفيسور نويل غانم، الباحث في علم الأعصاب وعلم الأحياء في الجامعة الأميركية، أنّ التعلّم عملية معقّدة ومستمرّة تقوم على التعلّم الضمني والصريح، وتشمل ثلاثة مجالات متكاملة: المعرفي والحركي والوجداني، وترتبط بنوعين من الذاكرة: التصريحية وغير التصريحية، وبثلاث فئات زمنيّة: الفورية، وقصيرة المدى، وطويلة المدى. وتُعدّ المرونة العصبية أساس التعلّم، حيث تُحدث تغيّرات بنيوية في المشابك العصبية تتأثر إيجابًا أو سلبًا بالسياق الاجتماعي، والصحة، والحالة المعرفية، وعوامل النموّ. ويُنتج التعلّم ذو المغزى تغييرات دائمة في التفكير والمشاعر والسلوك، ويرتكز على ستة مقوّمات: المعرفة الأساسية، والتطبيق، والتكامل، والبعد الإنساني، والرعاية، وتعلّم كيف تتعلّم. ويُوصى المربّون باعتماد “التصميم العكسي” الذي يبدأ بتحديد السياق، ثم الأهداف، فأساليب التقييم، وأخيرًا الأنشطة التعليمية.

واعتبر الدكتور مارك بوجي، الباحث في علم الأعصاب التربويّ في الجامعة اليسوعيّة، أنّ التعلّم يقوم على مرونة الدماغ وقدرته على التغيير عبر آليات تقوية طويلة المدى وتكوين الخلايا العصبية. وشدّد على ضرورة أن تؤدي العمليات المعرفية الى تحقيق التعلّم، محذّرًا من أن يحلّ الذكاء الاصطناعي محلّ هذه العمليات، في حين أنه يجب أن يرافقها. ودعا لإعادة تعريف دور المعلّم كمرافق إنساني، متسائلاً: ما الذي نختار تنميته في الإنسان بدلاً من تفويضه للآلة؟

بعد الاستراحة انصبت مداخلات الجلسة الثانية من اليوم الثاني بإدارة السيد ميشال حاجي جورجيو، المحلل السياسيّ، على التدريب المستمر والتمية المهنيّة للمعلّمين.

استهل الدكتور فادي الحاج، مدير مركز التدريب في الجامعة اليسوعيّة مداخلته  معتبرًا أن الذكاء الاصطناعي يُحوّل التطوير المهني من خيار إلى شرط لممارسة المهنة، محذراً من تحوّل هذه الضرورة إلى إلحاح مثير للقلق إن لم تُرافق بشروط تمكينيّة. وشدّد على أهمية التمييز بين “التكيّف” كردّ فعل تحت الضغط، و”التطوّر” القائم على تفاعل المعلّم، مشيرًا إلى أن التفاعلية ليست خاصية فردية بل إيكولوجية تحتاج إلى بيئة داعمة من وقت وموارد واعتراف.

من جهته أكد البروفسور ماكسانس دوولت، مدير عام المعهد العالي للأعمال (ESA) ضرورة تطوير ثقافة التعلّم المستمر، وتعزيز الروابط بين التربية والمؤسسات، والتكيّف مع التطورات التكنولوجية دون إغفال المبادئ الأساسيّة للتربية، وشدّد على أهمية الاستباق والمراقبة المستمرة، والتدرّب على المقاربات الجديدة، مع الحفاظ على الممارسات المجربة.

أما الدكتور جورج عبيد، المدير الرئيسي لأكاديمية التعليم المستمر في الجامعة اللبنانية الأميركية، فقد شدّد على ضرورة الانتقال من مفهوم الدورات التدريبية المنفصلة إلى التطوير المهني المستمر والقائم على تنمية الكفايات. وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يوفّر فرصًا جديدة لتخصيص مسارات التعلّم، وتحديد فجوات المهارات، وربط التطوير المهني باحتياجات المؤسسات التربوية وأولوياتها. كما أكّد أن نجاح التطوير المهني لا ينبغي أن يُقاس بعدد ساعات التدريب أو الشهادات، بل بمدى انعكاسه على الممارسة المهنية وأثره الفعلي. وفي هذا السياق، دعا إلى أن تعكس الشهادات والاعتمادات اكتساب كفايات حقيقية، لا مجرّد تراكم الشهادات.

وختم هذا المحور الدكتور داني القزيّ، مدير مركز التدريب مدى الحياة في جامعة سيّدة اللويزة، داعيًا إلى الانتقال من التدريب العرضيّ إلى التطوير المهني المستدام للمعلّمين، القائم على قدرات دائمة كالتفكير النقدي والحكم الأخلاقي والإبداع والتعاون.

وفي جلسة الختام التي أدارتها البروفيسورة إيفات غريب، مديرة مختبر الأبحاث التربويّة في الجامعة اليسوعيّة، وشارك فيها عدد من المعلّمات اللواتي أجمعن على أن جوهر هوية المعلّم يبقى العلاقة الإنسانية والإلهام، رغم تطور التكنولوجيا. وفي سياق النقاش، أكدت المشاركات أن المعلّم ينتقل من ناقل معرفة إلى صانع معنى ومرافق للتمييز، وأن دوره الأساسي تعليم التلامذة كيف يسألون ويمّيزون وينقدون ما تنتجه الآلة، مع الحفاظ على البعد الإنساني والإنصات والتعاطف.

وفي ختام المؤتمر شكر الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر في كلمته الختامية كلّ المحاضرين والمحاورين واللجنة المنظمة وكلّ الذين ساهموا في إنجاح أعمال المؤتمر، وتلا التوصيات التالية:

  • تجديد دور المعلّم ومهنته

إعادة تعريف دور المعلّم، من ناقلٍ للمعرفة إلى صانعٍ لها ومرافقٍ للمتعلّم في تعزيز كفاياته في التفكير النقديّ والإبداع والابتكار والاستقلاليّة، وتربيته على القيم وتقييم التفكير، بما يرسّخ حضوره الإنسانيّ والعلائقيّ في العمليّة التربويّة.

  • اعتماد الذكاءات الجديدة في إطار تربويّ وأخلاقيّ مسؤول

وضع إطار تربويّ وأخلاقيّ لاستخدام الذكاء الاصطناعيّ والذكاءات الجديدة في المدارس، يحفظ كرامة الإنسان وحريّته وخصوصيّته، ويعزّز الصدق والنزاهة والمسؤوليّة، ويجعل التكنولوجيا أداةً في خدمة الإنسان والتربية، لا بديلًا عن المعلّم والعلاقة التربويّة، وتسمح للمدرسة بأن تقود التكنولوجيا، لا تقاد بها.

  • تطوير الممارسات البيداغوجية والتقييم والتقويم

تشجيع الممارسات التربويّة المبتكرة والمبنيّة على أسس علميّة، والاستفادة من العلوم الإدراكيّة وعلم الأعصاب، وتطوير أساليب التعلّم والتقييم والتقويم بما يعزّز الفهم والتفكير النقديّ والإبداع والمشاركة.

  • ترسيخ التدريب المستمر والتطوير المهنيّ

اعتماد التدريب المستمر مدى الحياة جزءًا أساسيًا من المسار المهني للمعلّم، ووضع برامج مستدامة لتطوير كفاياته الرقميّة والتربويّة والعلائقيّة، وتمكينه من مواكبة التحوّلات العلميّة والتكنولوجيّة والمجتمعيّة.

  • تبنّي تربيّة أكثر إنسانيّة وتعزيز التربية على المواطنيّة

تعزيز دور المدرسة في بناء الإنسان المتكامل والمواطن الحرّ والمسؤول، وترسيخ التربية على التحقّق والتمييز والتفكير النقديّ، وعلى الاستخدام الواعي والأخلاقيّ للذكاءات الجديدة، بما يجعل المعرفة وسيلةً لخدمة الإنسان والمجتمع والوطن.

  • دعم استدامة المدرسة والشراكة التربويّة

العمل على استدامة المدرسة وجودة التعليم وكرامة المعلّم، في إطارٍ من العدالة والشفافية والحوكمة الرشيدة، ومواصلة السعي لتطوير التشريعات والسياسات التربويّة، وتعزيز الشراكة مع وزارة التربية ومختلف مكوّنات الأسرة التربويّة، وتشبيك المدارس الكاثوليكيّة وتبادل الخبرات والموارد فيما بينها ومع اتحاد المؤسّسات التربويّة الخاصة.

خاتمة

يؤكد المؤتمر أنّ الذكاءات الجديدة لا تُلغي المعلّم، بل تستدعي تجديد رسالته، وأنّ مستقبل التربية لا يُبنى بكثرة الأدوات، بل بقدرتنا على استخدامها الواعي والمسؤول لخدمة الإنسان.

فالمعلّم يبقى صاحب رسالة، ومرافقًا للإنسان، وصانعًا للمعرفة، وشريكًا في بناء المواطن والوطن.

ومن هنا، فإنّ تجديد مهنة التعليم هو دعوة إلى أن تبقى المدرسة الكاثوليكية وفيةً لرسالتها، منفتحةً على المستقبل، واضعةً الإنسان في قلب التربية.

واختتم المؤتمر بصلاة ختامية والتمنّي بعام دراسيّ ناجح ومثمر في جوٍّ من الأمان والسلام والطمأنينة.

 

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

المجلس الدستوري يبطل التمديد للرئيس الحالي للجامعة اللبنانيّة

    بوابة التربية: أصدر المجلس الدستوري بتاريخ 3 أيلول 2026 قرارًا يحمل الرقم 8/2026 …