الثلاثاء , أكتوبر 13 2026

ما بعد التطوّر التقني: أما زالت مساءلة جدوى العلوم الإنسانية مبرّرةً في عصر الذكاء الإصطناعي؟

 

 

بوابة التربية- كتب د. فاطمة عبود: 

 

لطالما ارتبط التقدّم في التصورات السائدة بالعلوم البحتة والتطبيقية، وبدا أن المستقبل ينتمي، بصورة شبه حصرية، إلى الرياضيات والفيزياء والمعلوماتية والهندسة، فيما وُضعت العلوم الإنسانية والآداب مراراً أمام سؤال الجدوى: ماذا تستطيع أن تقدّم في عالم تقوده التكنولوجيا وتُقاس فيه قيمة المعرفة بقدرتها على الاستجابة لمتطلبات التحول التقني؟ غير أن الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي يعيد اليوم فتح هذا السؤال من منظور مختلف: فالآلة التي باتت تحسب وتحلّل وتبرمج وتعالج من البيانات ما يتجاوز القدرة البشرية، لا تنتقص من أهمية المعرفة التي تتخذ الإنسان موضوعاً لها، بل تجعل الحاجة إليها أكثر إلحاحاً. فكلما اتسعت حدود ما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، برزت أسئلة تتعلق بالمعنى والقيمة والغاية والمسؤولية:  كيف ستعيد هذه القدرات التكنولوجية تشكيل أنماط التفكير والعمل وإنتاج المعرفة؟ ما التحولات التي قد تُحدثها في القيم والعلاقات والبنى الاجتماعية؟ وكيف ستنعكس على موقع الإنسان ودوره في عالم تتسع فيه مجالات الاعتماد على الذكاء الاصطناعي؟ من هنا، فإنّ صعود الذكاء الاصطناعي لا يمثل لحظة أفولٍ للعلوم الإنسانية بل مناسبة لإعادة النظر في موقعها ووظيفتها، وفي ضرورة المعرفة التي لا تكتفي بفهم ما يستطيع الإنسان أن يصنعه، بل في معرفة تسائل أيضاً ما يصنعه هذا التقدم بالإنسان نفسه.

هذا ولم تكن مساءلة جدوى العلوم الإنسانية وليدة عصر الذكاء الاصطناعي، بل نشأت خلال العقود الماضية مع تسارع التطور العلمي والتكنولوجي، وتعاظم ارتباط التعليم بسوق العمل والاقتصاد والإنتاج، عندما أخذت قيمة التخصصات تُقاس بقدرتها على الاستجابة للحاجات التقنية والمهنية. وفي ظل هذا المعيار، اكتسبت العلوم البحتة والتطبيقية مكانة متقدمة، فيما بدت العلوم الأخرى كالفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس والقانون والآداب واللغات، أقل اتصالاً بمتطلبات العصر. وقد انطلقت هذه المقارنة من تصور ضيق لوظيفة المعرفة: فحاجة المجتمعات لا تُختزل في إنتاج الأدوات والتقنيات وتطويرها، بل تشمل أيضاً فهم التحولات التي تُحدثها هذه الأدوات في الإنسان، وتحليل آثارها في السلوك والعلاقات والقيم والثقافة والمؤسسات. ومن هنا، تكمن أهمية العلوم الإنسانية في اشتغالها على مستوى مختلف ومكمّل: دراسة الإنسان الذي ينتج التقدم العلمي، ويستخدمه، ويتأثر بنتائجه، ويعيد في ضوئه تشكيل عالمه.

وقد اكتسب هذا النقاش بُعداً جديداً مع التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي. فما كان يُنظر إليه بوصفه حكراً على الخبرات البشرية، أصبح قابلاً، بدرجات متفاوتة، للمعالجة بواسطة أنظمة قادرة على تحليل البيانات، وكتابة الشيفرات، وحل المسائل، وبناء النماذج، والمساهمة في تسريع عمليات البحث العلمي. هذا لا يعني أن الرياضيات أو الفيزياء أو المعلوماتية أو غيرها من العلوم التطبيقية قد فقدت أهميتها، فالذكاء الاصطناعي نفسه نتاج لتراكم معرفي أسهمت فيه هذه العلوم، ولا يزال تطوره يعتمد عليها. لكن التحول الأهم يكمن في أن امتلاك المهارة التقنية وحده لم يعد كافياً؛ فكلما توسعت قدرة الأنظمة الذكية على أداء المهام المعرفية والتقنية التي كانت حكراً على الإنسان، ازدادت أهمية البحث في الأسئلة المتعلقة بكيفية توجيه هذه القدرات، وتقييم نتائجها، وفهم آثارها على الأفراد والمجتمعات الإنسانية. وهنا تستعيد العلوم الإنسانية موقعاً أساسياً لأنها تقدم الأدوات المفاهيمية والنقدية اللازمة لفهم التحول التقني نفسه ووضعه في سياقه الإنساني والثقافي والأخلاقي بما يصون مركزية الإنسان ويضمن استمرار دوره الفاعل في توجيه هذا التحول وصياغة غاياته.

وهكذا، فإن الإستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي يفتح نطاقاً واسعاً من المسائل التي تقع في صميم اهتمامات العلوم الإنسانية. فالفلسفة تستعيد حضورها أمام أسئلة المسؤولية والأخلاق وحدود تفويض الآلة؛ وعلم الاجتماع يدرس ما تُحدثه التقنيات الجديدة من تحولات في أنماط العمل والعلاقات وتوزيع القوى والفرص داخل المجتمعات؛ ويبحث علم النفس في آثار التفاعل المتزايد مع الأنظمة الذكية على مستوى الإدراك والسلوك والهوية واتخاذ القرارات؛ فيما يتيح التاريخ قراءة التحول الراهن ضمن مسار أوسع من التحولات التي أسهمت في تشكيل المجتمعات ومؤسساتها. ويبرز القانون بوصفه مجالاً أساسياً في تنظيم العلاقة بين الإنسان وهذه التقنيات، من خلال قضايا المسؤولية، وحماية الخصوصية والبيانات، والملكية الفكرية، وضبط استخدام الأنظمة الذكية بما يصون الحقوق والحريات. أما اللغة والآداب، فتتجاوز أهميتهما القدرة على إنتاج النصوص التي أصبحت الآلة تشارك فيها، إلى فهم الخطاب والسياق والدلالة وتمثلات الإنسان لذاته وللعالم. من هذا المنطلق، لا تقف هذه العلوم على هامش الثورة التي يصنعها الذكاء الاصطناعي، بل في قلب الأسئلة التي يولّدها؛ لأنها لا تنشغل فقط بما تستطيع التقنية إنجازه، وإنما أيضاً بالأطر الفكرية والقيمية والقانونية التي ينبغي أن تحكم الإستخدامات التقنية المتزايدة، وبما يحدث للإنسان والمجتمع عندما تصبح الآلة جزءاً من التفكير والعمل والتواصل وإنتاج المعرفة.

ولعلّ هذا التحول الذي فرضه الذكاء الإصطناعي هو ما يدفعنا إلى مراجعة الطريقة التي اعتدنا بها تصنيف التخصصات وتقدير قيمتها. فقد استقر طويلاً تمييزٌ ضمني بين علوم وُصفت بأنها «عملية» لارتباطها بالمجال التقني والإنتاج وسوق العمل، وأخرى وُضعت في خانة «النظرية» لأن مردودها لا يظهر دائماً في صورة منتج أو تطبيق مباشر. غير أن هذا الفصل قد أصبح أقل وضوحاً في عالم تستطيع فيه الأنظمة الذكية أن تؤدي جانباً متزايداً من المهام التي استند إليها مفهوم «المهارة العملية». فإذا كانت قابلية المعرفة للتطبيق هي المعيار الذي منح بعض التخصصات أفضليتها، فماذا يحدث لهذا المعيار عندما تصبح معظم تلك المهارات قابلة للأتمتة؟ وهكذا فإنّ اللحظة الراهنة تكشف أن الإشكال لم يكن يوماً في افتقار العلوم الإنسانية إلى المنفعة، بل في ضيق تعريفنا للمنفعة ذاتها؛ إذ يصعب قياس مُدركات الإنسان، وتأويل التحولات الاجتماعية، وبناء الأطر القانونية والأخلاقية، وصون الذاكرة والثقافة، وتنمية القدرة على النقد والحكم، بالمقاييس نفسها التي نقيس بها الكفاءة التقنية أو الإنتاج المادي الملموس. ومن هنا، لا يدعونا الذكاء الاصطناعي إلى إعادة ترتيب التخصصات في سلّم جديد للأهمية بقدر ما يدعونا إلى مساءلة السلّم نفسه والمعايير التي بُني عليها.

رغم ذلك، فإن إعادة النظر في هذه الهرمية لا تعني قلبها لصالح العلوم الإنسانية، ولا الادعاء بأن التقدم التقني يقلّل من أهمية الرياضيات أو الفيزياء أو المعلوماتية والهندسة…؛ فالعالم المعاصر يحتاج إلى هذه الحقول بقدر حاجته إلى الفلسفة والقانون وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ واللغة والآداب. غير أن التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي تكشف بصورة متزايدة محدودية المعرفة حين تعمل داخل حدود تخصصية مغلقة. من هنا، قد يكون التحول الأكثر أهمية في هذا العصر هو الانتقال من المفاضلة بين العلوم إلى بناء معرفة تكاملية، يلتقي فيها الإتقان التقني بالوعي الإنساني والقانوني والأخلاقي. فالعلوم التقنية توسّع باستمرار حدود ما يمكن للإنسان أن يفعله، فيما تسهم العلوم الإنسانية في مساءلة اتجاه هذا التوسع وآثاره ومعاييره؛ وبين القدرة على الابتكار والقدرة على فهم تبعاته يتحدد شكل المستقبل الذي علينا صنعه.

 

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

كرامي ترأست اجتماعا للجهات المشاركة والممولة للصندوق الائتماني للتربية

  بوابة التربية: ترأست وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي، اجتماعا للجهات المشاركة والممولة …