
بوابة التربية- كتب د. حسين عبيد*:
حين تعلن المناهج أهدافًا تتصل بالتفكير والاستقلالية وحلّ المشكلات والمواطنة، بينما تكافئ الامتحانات الحفظ والاسترجاع، تنكشف فجوة بين ما تعلنه التربية وما تكافئه الممارسة فعليًا. فالسؤال الأساس ليس ما الذي تنصّ عليه المناهج من أهداف، بل إلى أيّ مدى تنعكس هذه الأهداف في التدريس والتعلّم والتقييم اليومي؟
لا تكمن المشكلة في المعرفة أو الكتاب المدرسي أو الامتحانات بحدّ ذاتها، بل في اختزال التعلّم في نقل المعلومات وحفظها واستعادتها. فالكتاب مرجع ننطلق منه، والمعرفة أساس نبني عليه الفهم، والامتحان وسيلة للكشف عن التعلّم. وتتراجع قيمة هذه العناصر حين يصبح استرجاع المعلومات غاية بحدّ ذاته، بدل توظيفها في الفهم والتحليل والتفسير.
والحفظ ليس نقيضًا للتفكير؛ فلا يمكن فهم القضايا أو تحليلها أو بناء الأحكام من دون معرفة مكتسبة ومتينة. المشكلة تبدأ حين يتحوّل الحفظ من أساس للتعلّم إلى غايته النهائيّة، فيصبح استرجاع الصياغة المطلوبة أهمّ من فهم الفكرة، أو تفسيرها، أو مناقشة الأدلة التي تستند إليها.
وتزداد أهميّة هذه المسألة في زمن تتسارع فيه التحوّلات المعرفيّة والتكنولوجيّة، وتتوافر فيه المعلومات والأدوات الرقميّة والذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. فلم يعد التحدّي مقتصرًا على الوصول إلى المعرفة، بل أصبح يتعلّق بالتحقّق منها، ومقارنة المصادر، وتحليل المعلومات، والتمييز بين المعطى والتفسير، وبين الدليل والرأي، وبناء موقف يستند إلى الأدلة. وهذا يجعل مواءمة أهداف المناهج مع الممارسات التعليميّة ضرورة، لا مجرّد خيار تطويري.
من أهداف المناهج إلى الممارسة اليوميّة
لا تتحقّق الأهداف المعلنة في المناهج بمجرد إدراجها في الوثائق التربويّة، بل حين تتحوّل إلى ممارسات يختبرها المتعلّم في أثناء التعلّم. فبدل أن يقتصر دوره على استعادة المعلومات، ينبغي أن تتاح له فرص طرح الأسئلة، وفحص المعطيات، ومقارنة التفسيرات، واقتراح الحلول، وتبرير اختياراته، ومراجعة استنتاجاته في ضوء الأدلة.
ولا يتطلّب ذلك تغييرًا جذريًا في كلّ درس أو استخدام أدوات تقنية معقّدة؛ فقد يبدأ التحوّل بسؤال يفتح النقاش، أو وثيقة تُحلَّل، أو خريطة تُقرأ، أو موقف يُناقَش.
فبدل أن يُطلب من المتعلّم في درس تاريخي، مثلًا: “اذكر أسباب الحدث كما وردت في الكتاب”، يمكن سؤاله: “ما الأدلة التي تدعم اعتبار هذه العوامل أسبابًا للحدث؟ وما المعطيات الأخرى التي يمكن أن تدعم هذا التفسير أو تناقشه؟”. هنا لا يُلغى المحتوى، بل يصبح مدخلًا إلى فهم العلاقات بين الأحداث، وفحص التفسيرات، وبناء استنتاج يمكن الدفاع عنه.
بهذا المعنى، لا يكون المطلوب تقليص المعرفة أو الاستغناء عن الكتاب، بل تغيير طريقة التعامل معهما، بحيث ينتقل المتعلّم من تلقّي المعلومات إلى استخدامها في الفهم والتفسير والمناقشة والإنتاج.
دور المعلّم وظروف العمل
ويبرز هنا دور المعلّم بوصفه حلقة وصل بين أهداف المناهج وما يتحقّق فعليًا في الممارسة التعليمية، وهي مهمة تتأثّر أيضًا بالظروف التي يعمل في إطارها. فقد يدعو إلى التفكير والاستقلالية، لكنّه يظلّ أحيانًا أسير الشرح الحرفي للكتاب وتقديم الإجابات المتوقّعة، تحت ضغط كثافة المناهج وضيق الوقت وطبيعة الامتحانات. لذلك، لا يصحّ تحميله وحده مسؤولية الفجوة بين الأهداف والممارسة.
إنّ تمكين المعلّم يتطلّب دعمًا وتأهيلًا، وهامشًا مدروسًا من المرونة في تنفيذ المنهج، يسمح له باختيار الأنشطة والمصادر المناسبة لبيئة صفّه، والتركيز على عمق الفهم بدل الانشغال بتغطية جميع المفردات. كما يحتاج إلى أدوات عمليّة، مثل نماذج الأسئلة، ومعايير التصحيح الواضحة، والأنشطة القصيرة القابلة للتطبيق، ووقت للتخطيط والتبادل بين المعلّمين.
فالتطوير لا يتحقّق بمطالبة المعلّم بتغيير أساليبه فحسب، بل بتوفير الظروف التي تساعده على ذلك، وربط التوجيهات التربويّة بما يستطيع تنفيذه فعليًا في الصف.
حين يوجّه التقييم التعلّم
إذا كانت الممارسة التعليمية تتيح للمتعلّم توظيف المعرفة في الفهم والتحليل والمناقشة، فإنّ التقييم ينبغي أن يكشف عن قدرته على القيام بذلك. فلا يقتصر دوره على الكشف عن التعلّم، بل يمتدّ إلى توجيه التدريس والتعلّم؛ إذ يستعدّ المتعلّم لما يعرف أنّه سيُقيَّم عليه، ويوجّه المعلّم ممارساته وفق ما تتطلّبه الأسئلة والامتحانات.
فبدل أن يُطلب منه “بيّن سبب الحدث”، يمكن أن يُطلب منه: “قارن بين تفسيرين للحدث، وحدّد الدليل الأقوى، وبرّر اختيارك”. وهنا تصبح المعرفة أساسًا لبناء الاستنتاج، لا غاية تنتهي عند استعادتها.
ويتطلّب ذلك ربط الأهداف التعلّمية بمهامّ ومعايير واضحة، تراعي صحة المعلومات، وملاءمة الأدلة، ووضوح الحجة، ودقّة الاستنتاج. كما ينبغي أن تساعد التغذية الراجعة المتعلّم على معرفة ما أتقنه وما يحتاج إلى تحسينه، من خلال ملاحظات محدّدة تبيّن مواطن القوّة والخلل، وتتيح له مراجعة عمله وتصحيح أخطائه. بذلك يصبح التقييم جزءًا من عملية التعلّم، لا مجرّد حكم على نتيجتها.
وتتجلّى أهميّة هذا التوجّه في الامتحانات الرسميّة، لما لها من أثر في توجيه التدريس والتحضير. فإذا كافأت الأسئلة استعادة الصياغات الحرفيّة، فإنّها تعزّز الحفظ، حتى عندما تعلن المناهج أنّ التحليل والتفسير من غاياتها. والمطلوب ليس الاستغناء عن الاختبارات أو التساهل في الدقّة المعرفيّة، بل صياغة أسئلة ومعايير تصحيح تكافئ صحة المعلومات وجودة الاستدلال، وتسمح بالاختلاف المشروع في التعبير ما دامت الإجابة مدعومة بالأدلة.
وفي هذا السياق، تصبح الملخّصات والكتب المساعدة والإجابات الجاهزة مشكلة حين تتحوّل إلى بدائل من الفهم والبحث، ويغدو حفظ الصيغ المتوقّعة أكثر جدوى من تحليل المعرفة وتوظيفها.
وتزداد الحاجة إلى مراجعة طبيعة المهام مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى البيئة التعليميّة، إذ يمكن للمتعلّم إنتاج إجابة متكاملة من دون فهمها أو القدرة على الدفاع عنها. لذلك، بدل الاكتفاء بطلب كتابة موضوع، يمكن تكليفه بمقارنة إجابات أُنتجت بمساعدة أدوات رقميّة، والتحقّق من مصادرها، وتحديد مواطن القوة والضعف فيها، وتبرير موقفه. فالمهمّ ليس المنتج النهائي وحده، بل ما يكشف عنه من فهم وقدرة على التحقّق واتخاذ القرار.
وهكذا، لا يكون المطلوب منع الأدوات الرقميّة، بل تطوير مهامّ التقييم بحيث تتيح التحقّق من تعلّم المتعلّم وقدرته على توظيف المعرفة، مع تحمّله مسؤولية ما يقدّمه من إجابات واستنتاجات.
بدايات ممكنة الآن
إزاء هذه التحوّلات، لا ينبغي أن يبقى التطوير التربوي معلّقًا إلى حين استكمال تطبيق المناهج المطوّرة. فالمطلوب ليس استبدال المناهج الحاليّة أو تجاوزها، بل تحسين الممارسات القائمة وتهيئة البيئة التربويّة لتطبيق المناهج المطوّرة.
ويمكن البدء بخطوات عمليّة لا تتطلّب تغيير المنهج كاملًا أو استخدام أدوات تقنية معقّدة، بل تقوم على:
– تصميم أنشطة قصيرة قابلة للتطبيق، كتحليل وثيقة، أو مقارنة مصدرين، أو مناقشة موقف، أو اقتراح حلّ لمشكلة وتبريره.
– توفير مساحة من المرونة للمعلّم لاختيار الأنشطة والمصادر الملائمة لبيئة صفّه، مع الحفاظ على الأهداف والمعايير المشتركة.
– تعزيز تبادل الخبرات بين المعلّمين، وتوفير نماذج عملية تساعدهم على تحويل أهداف المناهج إلى ممارسات تعليميّة قابلة للتنفيذ.
فالخطوة الأولى ليست إضافة مزيد من المتطلبات، بل تحديد ما نريد من المتعلّم أن يفهمه وينجزه، وتهيئة الظروف التي تساعد المعلّم على تحقيق ذلك.
نحو ثقافة تربويّة مشتركة
ولا يقتصر هذا التحوّل على المعلّم والمتعلّم، بل يحتاج إلى ثقافة تربويّة مشتركة لدى المعلّمين والمتعلّمين والأهل، تعزّز قيمة الفهم والبحث والتحقّق من المعلومات، وتشجّع السؤال والمناقشة والمراجعة بدل الاكتفاء باستنساخ الإجابات الجاهزة.
وتتجاوز نتائجه حدود التحصيل الدراسي إلى علاقة المتعلّم بالمعرفة والمجتمع؛ فالتعليم الذي يدرّبه على فحص الوقائع ومناقشة التفسيرات واحترام الدليل يساعده على فهم القضايا المحيطة به، ومناقشة الاختلاف، والمشاركة في الشأن العام بوعي ومسؤوليّة.
وتكتسب هذه الغاية أهميّة خاصة في لبنان، حيث تبرز الحاجة إلى مساحة مشتركة للحوار تقوم على فحص الوقائع ومناقشة التفسيرات، من دون افتراض تطابق الآراء والمواقف.
إنّ ردم الفجوة بين أهداف المناهج والممارسة التعليميّة لا يتحقّق بإضافة أهداف جديدة فحسب، بل بمواءمتها مع ما يجري في التدريس والتعلّم والتقييم، وتوفير الظروف التي تمكّن المعلّم من التجديد، وتتيح للمتعلّم ممارسة التفكير فعلًا.
فلا يكفي أن تعلن المناهج أهدافًا متصلة بالتفكير والاستقلاليّة وحلّ المشكلات، بل ينبغي أن تتيح الممارسات التعليمية والامتحانات للمتعلّم إظهار هذه القدرات. والمطلوب أن تصبح المعرفة أساسًا للفهم والتحليل والتفسير والإنتاج، وأن يُقاس النجاح بقدرة المتعلّم على توظيف ما تعلّمه، لا بمجرد إعادة إنتاجه.
*باحث في القضايا الفكريّة والتربويّة والتاريخيّة
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate