الإثنين , مارس 9 2026

معلّم بلادي.. بين جمر العدوان ورماد الخذلان

أثار القصف الذي أصاب مدرسة

 

​بوابة التربية: بقلم: ياسين الرشيد حسان المرعب

​​”عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ.. والمُعلّمُ بَيْنَ النُّزوحِ والوَعيد”

يطلُّ علينا “عيد المعلم” هذا العام، والقلوبُ كليمة، والنفوسُ سقيمة، والديارُ عديمة. أقبلَ العيدُ والأساتذةُ بين مُشرّدٍ ونازح، وبين صابرٍ وكادح؛ فكيف يبتسمُ الثغرُ والبيتُ مهجور؟ وكيف يهنأُ البالُ والرزقُ مبتور؟ وكيف نحتفل والسبورات التي كانت تصدح بنور المعرفة، باتت جدراناً تسندُ ظهور العائلات المكلومة في مراكز الإيواء؟

​رسالةُ الأنبياء.. في زمنِ الجفاء

​لقد حُملتم -يا زملائي- أمانةً تنوءُ بها الجبال، فأنتم سدنةُ الفكر وبناةُ الأجيال. وصدقَ المصطفى ﷺ حين قال: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السمواتِ والأرضِ، حتى النملةَ في جحرِها، وحتى الحوتَ، ليصلُّونَ على مُعلِّمِ الناسِ الخيرَ”.

​فأيُّ مقامٍ أرفعُ من هذا المقام؟ وأيُّ وسامٍ أبهى من هذا الوسام؟ لكنَّ المفارقةَ الموجعة أن يُصلي عليكم أهلُ السماء، ويخذلكم أهلُ القرارِ والسياسةِ والارتقاء! وكما قال أمير الشعراء:

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي .. يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا

أجل، إنكم تبنون العقولَ في زمنِ الهدم، وتزرعون الأملَ في حقولِ الألم.

​ارتجالٌ في القرار.. واغتيالٌ للاستقرار

​لقد وقعتم ضحيةً لسلطةٍ لا تملك رؤيةً في حُسن الاختيار؛ فوزارةُ التربية أطلت علينا بقراراتٍ عوراء، لا تُبصرُ إلا بعينِ المدارسِ الخاصة، وتغمضُ جفنها عن المدارسِ الرسميةِ المُصابة. فأيُّ عدالةٍ تربويةٍ تسمحُ بـ”التعليمِ الحضوري” لمن أَمِن، وتفرضُ “الغيابَ القسري” على من نَزح بلا مأوى ولا سَكن؟

​إنها قراراتٌ مرتجلة، للواقعِ مجهلة، وللحقوقِ مقصلة. يُطالبون بـ”تعليمٍ افتراضي” عبر الأثير، والمعلمُ يفترشُ الواقعَ المرير! كيف لعقلٍ أن يُبحرَ في “الإنترنت” وهو الأغلى كلفةً والأضعفُ خدمةً، بينما المعلمُ والتلميذُ يلتحفون السماء، ويفتقدون أدنى مقوماتِ البقاء؟

​الحكومة وفنُّ “الاحتيالِ الرسمي”

​أما الحكومة، فقد مارست فنَّ “الاحتيالِ الرسمي”؛ إذ أسرعت في جبايةِ الضرائب على “البنزين”، وتلكأت في وفاءِ الرواتب للمساكين. لقد حصّلوا الزيادةَ من جيوبِ الناسِ منذ اليومِ الأول، وتركوا الأستاذَ يقتاتُ على الوعودِ التي لا تُسمنُ ولا تُغني من جوع. إنَّ راتبَ الأستاذِ اليوم صار أصغرَ من إيجارِ غُرفةٍ في مأوى، وأضيقَ من أملٍ في غدٍ أقوى. فوا عجباً لحكومةٍ تطلبُ من “جائعٍ” أن يُطعمَ الأجيالَ “فِكراً”، ومن “مُهجّرٍ” أن يبنيَ للأوطانِ “قصراً”!

​عهدُ الوفاء.. وبريقُ الرجاء

​إنَّ عيدنا الحقيقي ليس “تاريخاً” يُدوّن في الرزنامة، بل هو “يومٌ” تُسترد فيه الكرامة؛ يومَ يكفُّ المعلمُ عن سؤاله: “أين سآوي؟” و”بماذا سأقيتُ أطفالي؟”.

​يا زملائي الأحرار، يا من تضيئون الشموعَ والرياحُ عاتية، وتزرعون السنابلَ والأرضُ قاسية؛ اعلموا أنكم لستم مجرد “موظفين” في كشوفاتِ الدولة، بل أنتم “ضميرُ الأمة” النابض. إن جاعت البطونُ فأنتم من يُطعم العقول، وإن هُدمت البيوتُ فأنتم من يبني في النفوس قلاعاً لا تطالها القذائف ولا تنال منها المدافع. ليعلم القاصي والداني، أنَّ المعلّم الذي لم ينكسر أمام عواصفِ العدوان، لن ينحني أمام عواصفِ الحرمان. نحنُ الذين ورثنا عن الأنبياء “نوراً” لا يطمسه “ظلامُ” القراراتِ العشوائية.

​يا حُماةَ الحرفِ وصُنّاعَ المجد:

​ستبقى جباهكم عاليةً كشموخ أرزنا، وسيبقى قلمكم هو السيف الذي يقطع دابر الجهل، ولو تقطعت بنا السبل. سنبقى المرابطين على ثغور التربية، نحرسُ حلمَ التلامذة المشردين، ونخيطُ من جراحنا ثوبَ الوطنِ الجديد.

​سلامٌ عليكم في عراكم.. سلامٌ عليكم في صمودكم.. سلامٌ عليكم يوم تُنصفكم الأقدارُ حين يخذلكم البشر.

​وكلُّ عامٍ وأنتم الأقوى بكرامتكم، والأبقى برسالتكم.

كل عام وأنتم العيد للعيد.

*مدير ثانوية البيرة الرسمية

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

توصيات اللقاء التشاوري لمديري المؤسسات التعليمية مرفوع الى وزارة التربية للمدارس المتوقفة قسراً

      بوابة التربية: صدر عن اللقاء التشاوري لمديري المؤسسات التعليمية الرسمية، بيان مرفوع …