الخميس , يونيو 4 2026

التفرّغ المؤجَّل: إدارة التهميش المُمَنهَج للجامعة اللبنانية

 

 

 

بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:

لم يعد ممكناً النظر إلى ملف التفرّغ في الجامعة اللبنانية بوصفه مجرد إجراء إداري أو استحقاق وظيفي مؤجّل. فبعد سنوات من الانتظار، وما رافقها من إقرار للملف وبقاء الأسماء معلّقة بين التسويف والتأجيل، بات واضحاً أن القضية تتجاوز البعد الإداري لتلامس طريقة تعامل السلطة مع الجامعة الوطنية وأساتذتها، ومع موقع التعليم العالي في سلّم أولوياتها الفعلية.

ما يزيد خطورة هذا الواقع أن التأخير لم يعد وحده المشكلة، بل الطريقة التي يُقدَّم بها الملف للرأي العام. فبحسب الخطاب الإعلامي والتصريحات المتكررة، يبدو وكأن مسار التفرّغ يسير بشكل طبيعي وأنه في مراحله النهائية، حتى إن الانطباع العام يوحي أحياناً بأن القضية أصبحت شبه محسومة. لكن على أرض الواقع، ما زالت الأسماء غير مقرّة، وما زالت الضمانات غائبة، وما زال الأساتذة في موقع انتظار القرار الفعلي لا في موقع الاطمئنان إلى وعوده.

وما يزيد الإشكالية عمقاً هو التناقض بين مسار الملف كما يُقدَّم إعلامياً، وبين غيابه المتكرر عن المسارات السياسية الفعلية ؛ ففي كل جلسة لمجلس الوزراء يُفترض أن يكون ملف التفرّغ حاضراً كبند أساسي بالنظر إلى حجمه وأثره، إلا أن الواقع يُظهر في كثير من الأحيان غياباً كاملاً له عن جدول الأعمال، وكأن الملف خارج الأولويات، رغم كل التوقعات التي تُبنى قبيل كل جلسة. هذا التكرار في الإحباط يخلق حالة من فقدان الثقة، ليس فقط بالقرارات، بل بطريقة إدارة الملف نفسها.

كما أن ما يرافق هذا المسار من تقاذف في المسؤوليات بين الجهات المعنية يزيد المشهد غموضاً. فبين من يقول إن الملف أصبح في عهدة وزارة التربية، ومن يؤكد أنه أنجز وأُحيل إلى مجلس الوزراء، ومن لا يدرجه أصلاً على جدول أعماله، تتشتت المسؤولية وتضيع معها الجهة الفعلية التي تتحمّل تبعات التعطيل. هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يمكن فصله عن طريقة إدارة الملف برمته.

أما التذرّع المستمر بالجانب المالي، فيبدو بدوره غير قابل للإقناع في ظل الوقائع. فملف التفرّغ، كما أُقرّ، بُني على أساس دفعات تدريجية، بما يسمح بفتح الاعتمادات بشكل متناسب مع كل مرحلة، بدءاً من دفعات محددة تمتد على سنوات. وبالتالي فإن تحويل المسألة إلى عقبة مالية شاملة لا ينسجم مع بنية القرار نفسه، خصوصاً في ظل الإنفاق العام على ملفات أخرى تُفتح لها الاعتمادات بشكل طبيعي. هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل فعلاً المشكلة مالية، أم أن التمويل يُستخدم كغطاء لتأجيل سياسي وإداري؟

إن هذا التناقض بين الإقرار المبدئي للملف، وبين تعطيل تنفيذه العملي، يضع الأساتذة أمام حالة من الانتظار المعلّق لا تفسير واضح له، ويزيد من شعور أن الملف يُدار بمنطق الإبقاء عليه في دائرة مفتوحة لا تنتهي.

إن هذا النمط في إدارة الملف لا يعكس مجرد خلل إداري، بل يشير إلى طريقة أعمق في التعامل مع الجامعة اللبنانية بوصفها مؤسسة يمكن إبقاؤها في الهامش، ومع أساتذتها بوصفهم فئة يمكن تأجيل حقوقها بلا سقف زمني واضح. وهو ما يطرح إشكالية تتجاوز ملف التفرّغ إلى سؤال أوسع حول موقع المعرفة في بنية القرار العام.

والأخطر أن هذا الواقع يتزامن مع خطاب رسمي لا يتوقف عن الحديث عن الإصلاح، والتنمية، والاقتصاد المعرفي، والاستثمار في الإنسان. غير أن هذه العناوين تفقد معناها عندما تُختبر في ملفات أساسية مثل ملف الأساتذة المتعاقدين. فالفجوة لم تعد بين الحقوق والقرارات فقط، بل بين ما يُقال عن المعرفة وما يُمارس فعلياً بحق أهلها، وبين ما يُعلن عن دعم الجامعة الوطنية وما تعيشه فعلياً على الأرض.

قد ينجح التأخير في تجميد ملف، لكنه لا يستطيع إخفاء دلالاته. فطريقة التعامل مع أساتذة الجامعة اللبنانية لا تكشف فقط مصير فئة أكاديمية، بل تكشف أيضاً حجم الفجوة بين الخطاب الرسمي عن المعرفة والتعليم وبين الممارسات الفعلية تجاه من يحملون هذا العبء يومياً. وفي هذه الفجوة بالذات يكمن أحد أكثر مؤشرات الخلل إيلاماً في إدارة الشأن العام.

المشكلة لم تعد في غياب القرار فحسب، بل في محاولة إقناع أصحاب الحق بأن غيابه ليس مشكلة.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

كتاب مفتوح إلى وزيرة التربية لإلغاء إمتحانات الثانوية العامة

    بوابة التربية: وجه د. حيدر إسماعيل*، كتابا مفتوحا إلى وزيرة التربية والتعليم العالي …