الثلاثاء , يونيو 9 2026

الإفادات.. مقبرة التعليم التي نرفضها

 

 

 

 

​بوابة التربية- كتبت مريم يوسف الصلح*:

​في خضم السجالات السياسية التي لا تهدأ، وتصاعد الأصوات التي تنهال من كل حدب وصوب مطالبةً بإلغاء الامتحانات الرسمية، ورغم بعض التصريحات التي بالغت في التهويل تحت وطأة القصف، وأشاعت توتراً إضافياً حول استحالة إجرائها في ظل الدمار، نجد أنفسنا أمام مسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة. إن قضيتنا اليوم ليست دفاعاً عن شخصية أو هجوماً عليها، فالوزراء راحلون والسياسات متقلبة، لكن الرسالة التربوية هي الثابتة التي يُبنى عليها مستقبل الأجيال؛ لذا فإن صون هذه الرسالة هو معركتنا الحقيقية.

​أولاً، ​نحن لا نعيش في برج عاجي؛ ندرك تماماً حجم التحديات التي يفرضها واقع الحرب والقصف والنزوح. صحيحٌ أن أمان طلابنا وأرواحهم أغلى من كل الشهادات والأوراق، ولكن ألا يحق لنا أن نتساءل: لماذا تُطرح فكرة إلغاء امتحانات الثانويات الرسمية، بينما تواصل الجامعات إجراء امتحاناتها رغم الظروف ذاتها؟ إننا ندرك بمرارة أن أرواح الناس على المحك في هذا الزمن الصعب، ومن واجبنا الإنساني والتربوي مراعاة الظروف النفسية لمن عانوا من الفقد أو صدمات الحرب، إلا أن هذا الإقرار بالمخاطر يجب ألا يكون ذريعة للاستسلام، أو مدخلاً لترسيخ ثقافة “الإفادات” التي أثبتت التجربة أنها مقتَلٌ للمنظومة التعليمية.

​إن طلابنا هم ذاتهم الذين أُلغيت شهادتهم المتوسطة عام 2023 قبل موعدها بأسبوع واحد فقط لأهواء سياسية بحتة؛ ولا يعقل أن يتحول مستقبلهم مجدداً إلى ورقة تذوب في مهب الكيديات. إن “التَّرَفُّع” بالإفادات ليس إلا تفريغاً للتعليم من جوهره، وقضاءً مبرماً على قيمة الجهد والتحصيل العلمي.

​ثانياً، ​بدلاً من التراشق بالمواقف، نطرح مقاربة تربوية عملية تتسم بالمرونة؛ فالحل ليس في الإلغاء، بل في تفعيل “لامركزية الامتحانات”. يمكننا إجراء الامتحانات في الثانويات نفسها كخيار أول، أو اعتماد أقرب مراكز آمنة بعد استطلاع ميداني دقيق للجاهزية الأمنية بالتنسيق مع وزارتي الدفاع والداخلية. إن دورنا يكمن اليوم في تحفيز طلابنا على خوض هذا التحدي، ليس فقط لنيل ورقة شهادة، بل لتهيئة أنفسهم ذهنياً لمرحلة الجامعات بمجهود مضاعف، سواء قرروا استكمال مسارهم داخل الوطن أو خارجه.

​ثالثاً، ​لقد علمتنا تجارب الشعوب أن إجراء “الاستحقاقات التربوية” في زمن الحروب هو فعل مقاومة وصمود. وكما تواصل جامعاتنا اللبنانية مهامها وتؤمن مساراتها رغم التحديات، يجب أن يظل قطاع التعليم الثانوي صامداً. إن تمسكنا بإجراء الامتحانات ليس إرضاءً لـ”كارتيلات” التعليم الخاص، ولا تمجيداً لأي طرف سياسي، ولا يعني أن حقوق الأستاذ الرسمي مؤمنة، بل هو انحيازٌ للجهود الجبارة التي يبذلها المعلمون والطلاب المجاهدون فعلياً في سبيل العلم.

​ختاماً، ​إن صمود العملية التربوية هو الاختبار الحقيقي لمناعة مجتمعنا؛ فإذا سقط التعليم في أتون الحرب، فقد خسرنا المعركة التي لا يمكن تعويضها، والمتمثلة في عقول أجيالنا التي تراهن عليها الأوطان لتعيد بناء ما هدمته الأزمات. إن الامتحانات الرسمية اليوم ليست مجرد إجراء إداري، بل هي ميثاق شرف تربوي يُكتب بمداد الصبر؛ فالمخاطر تُدار بالتدابير الأمنية واللوجستية المرنة، لكن لا تُدار أبداً بالتنازل عن استحقاقات العلم التي هي الضمانة الوحيدة لمستقبلٍ يتجاوز حدود الأزمة.

​حمى الله لبنان وشعبه من جنوبه إلى شماله، وحفظ أمانة العلم في قلوب أهله وأساتذته.

 

*أستاذة في التعليم الثانوي الرسمي

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

حين يُختبر الوطن تصبح التربية مشروعاً وطنياً لحماية الإنسان

    بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين: لا تُقاس قوة الأوطان فقط بقدرتها …