الثلاثاء , يونيو 9 2026

بين ادّعاء المسؤولية وواجب الإنصاف… من يحمي طلاب لبنان؟

 

بوابة التربية- كتب د. حيدر إسماعيل*:

ردًّا على نقيب المعلمين نعمة محفوض

مع احترام التجربة الطويلة التي يتحدث عنها زميلنا في التعليم والعمل النقابي، فإنّ سنوات الخدمة لا تمنح أحدًا احتكار الحقيقة، كما أنّ الاختلاف في الرأي لا يجعل المخالف شعبويًا ولا يجرّده من صفته التربوية والوطنية.

ومن المؤسف حقًا أن يُقدَّم المطالبون بإلغاء الامتحانات الرسمية أو تعديلها وكأنهم دعاة هدمٍ للتعليم أو خصومٌ للشهادة اللبنانية، فيما الحقيقة أن كثيرين منهم هم أهل اختصاص وتربويون ونقابيون مارسوا التعليم لعقود، ويعرفون تمام المعرفة حجم الفاقد التعليمي، ويدركون في الوقت نفسه حجم التفاوت بين الطلاب والمدارس والظروف الاستثنائية التي عاشها الوطن وخصوصًا جنوبه وضاحيته.

إنّ الحديث عن حماية قيمة الشهادة اللبنانية لا يكون بفرض امتحانات شكلية في ظروف غير طبيعية، بل بضمان تكافؤ الفرص بين الطلاب، وتأمين الحد الأدنى من العدالة التربوية. فالقيمة الحقيقية للشهادة لا تستمدّ من إجراء الامتحان بحدّ ذاته، بل من عدالة الظروف التي يجرى فيها، ومن صدقية النتائج التي يفضي إليها.

أما تصوير المطالبة بالإلغاء على أنها هروب من الدراسة أو إعفاء للطلاب من واجب التحصيل، فهو ظلمٌ للطلاب ولأهاليهم ولمئات الأساتذة الذين بذلوا جهودًا مضنية في أصعب الظروف. فالذين طالبوا بالإلغاء أو بالبدائل لم يفعلوا ذلك طلبًا للشعبية، بل انطلاقًا من قراءة واقعية للظروف التربوية والأمنية والنفسية التي أحاطت بالعام الدراسي.

والأشدّ غرابة هو الانتقال من مناقشة قضية تربوية إلى طرح أسئلة توحي بوجود جهات خفية ومستفيدين وضغوط، وكأنّ أصحاب الرأي الآخر متهمون حتى تثبت براءتهم. فالحوار التربوي لا يُبنى على التشكيك بالنوايا، بل على احترام الرأي المخالف والاحتكام إلى المعطيات العلمية والواقعية.

وإذا كان الصمت عن الحقيقة مؤلمًا، فإنّ الأشدّ ألمًا هو اعتبار كل صوت مخالف ضجيجًا شعبويًا، وكل رأي مختلف خروجًا على المسؤولية، لأنّ المسؤولية الحقيقية ليست في التمسك بقرار واحد، بل في امتلاك الشجاعة لمراجعة الخيارات عندما تفرض الظروف ذلك.

إنّ التربية لا تُبنى بالمكابرة، ولا تُقاس بمدى الإصرار على إجراء الامتحانات، بل بمدى القدرة على حماية الطلاب وإنصافهم وصون مستقبلهم. وليس من الوطنية أن نطلب من الطالب أن يدفع وحده ثمن الأزمات المتراكمة التي لم يكن سببًا فيها.

ولذلك، فإننا لا نأسف على كثرة الأصوات، بل نأسف على من يختزل الرأي التربوي برأي واحد، ويصادر حق الآخرين في الاجتهاد، ويظن أن الحقيقة لا تسكن إلا عنده.

وأخيرًا استشهد بقول الشاعر:

إذا اختلـفَ الرأيُ فالحـقُّ مُبتغى

وليسَ احتكارُ الرأيِ من شِيَمِ الحِكَمِ

إذا ضاقَ صدرُ المرءِ عن رأيِ غيرِهِ

فأوّلُ ما يهوى عليه هو القِيَمُ

فالرأيُ لا يعلو بإقصاءِ غيرِهِ

بل الحوارُ سبيلُ العقلِ والأممِ

 

*رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي بالانابة سابقًا.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

المرتضى في كتاب لكرامي: لا ندعو إلى إهدار قيمة الشهادة الرسمية بل إلى صون معناها

    بوابة التربية: وجه وزير الثقافة السابق محمد وسام المرتضى كتابا الى وزيرة التربية …