الثلاثاء , يونيو 9 2026

مشروعية الامتحانات الرسمية بين الاستحقاق والاستثناء

 

 

بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:

إن الدفاع عن التعليم لا يعني بالضرورة الدفاع عن إجراء الامتحانات الرسمية في كل ظرف، كما أن المطالبة بإلغائها لا تعني الدعوة إلى ثقافة الإفادات أو الاستسلام للأزمات. فالمسألة الحقيقية تكمن في التمييز بين الظروف العادية التي تشكل فيها الامتحانات الرسمية أداةً طبيعية لتقييم التحصيل العلمي، وبين الظروف الاستثنائية التي تصبح فيها الأولوية لحماية الحق في التعليم ضمن إطار المساواة والأمان والعدالة التربوية.

إن النقاش الدائر اليوم لا يجوز اختزاله بشعار «مع الامتحانات أو ضدها»، لأن الدولة نفسها، عبر تصريحات مسؤوليها الأمنيين والعسكريين، أقرت بوجود ضبابية أمنية وصعوبة في توقع مسار الأحداث العسكرية والاستهدافات المتنقلة. وعندما تعلن الجهات الرسمية المكلفة بحماية المواطنين أن المشهد الأمني غير مستقر وقابل للتطور في أي لحظة، يصبح من المشروع تربوياً وقانونياً التساؤل عما إذا كانت الدولة قادرة فعلاً على ضمان تكافؤ الفرص وسلامة جميع الطلاب في مختلف المناطق اللبنانية طوال فترة الامتحانات.

إن حق الطالب في التعليم لا ينفصل عن حقه في السلامة الجسدية والنفسية. فآلاف الطلاب عاشوا خلال الأشهر الماضية ظروفاً استثنائية تمثلت بالنزوح، والانقطاع المتكرر عن الدراسة، والخوف الناتج عن التهديدات الأمنية، وفقدان أفراد من عائلاتهم أو محيطهم الاجتماعي. وهذه المعطيات ليست مجرد اعتبارات عاطفية، بل عناصر موضوعية تؤثر مباشرة في القدرة على التعلم والتركيز والتحصيل العلمي. ومن غير المنطقي افتراض أن جميع الطلاب خاضوا عاماً دراسياً متشابهاً يسمح بإخضاعهم للمعايير ذاتها في نهاية العام.

كما أن الحديث عن إجراء الجامعات لامتحاناتها لا يشكل حجة حاسمة. فالجامعات تتمتع باستقلالية أكاديمية وتنظيمية تسمح لها بتعديل مواعيد الامتحانات أو اعتماد صيغ مختلفة للتقييم أو توزيع الاختبارات على فترات زمنية متعددة، بينما الامتحانات الرسمية هي استحقاق وطني موحد يخضع لمعايير واحدة ويشمل عشرات الآلاف من الطلاب في مختلف المناطق. وبالتالي فإن المقارنة بين الحالتين ليست دقيقة من الناحية التربوية أو الإدارية.

أما الطرح القائل باعتماد «لامركزية الامتحانات» في الثانويات أو في مراكز قريبة، فيبدو للوهلة الأولى حلاً عملياً، لكنه يخفي إشكاليات قانونية وتربوية خطيرة. فالامتحانات الرسمية تستمد قيمتها من وحدة المعايير والإجراءات والرقابة. وعندما تنتقل إلى عشرات المراكز المختلفة بإدارات وإمكانات متفاوتة، تزداد مخاطر تفاوت ظروف الامتحان بين منطقة وأخرى، وتتراجع القدرة على ضبط النزاهة والرقابة وتكافؤ الفرص بين المرشحين.

والأخطر من ذلك أن اللامركزية الامتحانية في ظرف أمني مضطرب قد تؤدي عملياً إلى نشوء نظام تربوي متعدد السرعات؛ مناطق قادرة على إجراء الامتحانات بصورة طبيعية، وأخرى تعاني اضطرابات أمنية أو لوجستية أو بشرية تجعل ظروف الامتحان فيها مختلفة جذرياً. وعندها نكون قد انتقلنا من مبدأ المساواة بين الطلاب إلى واقع تفاوتي يناقض جوهر الشهادة الرسمية نفسها.

كذلك لا يمكن تجاهل المشكلات اللوجستية المرتبطة بالتنقل، ووسائل النقل، والكلفة الاقتصادية، وإمكانية إقفال الطرق بصورة مفاجئة، فضلاً عن الفوارق الكبيرة في استكمال المناهج الدراسية بين المدارس والمناطق. فالعدالة التربوية لا تعني فقط توفير ورقة الامتحان، بل تعني ضمان أن جميع المتقدمين حصلوا فعلاً على فرص تعليم متقاربة تسمح بمنافسة عادلة.

إن الدول لا تقاس بقدرتها على إجراء الامتحانات في كل الظروف فحسب، بل أيضاً بقدرتها على اتخاذ قرارات استثنائية عندما تصبح الظروف استثنائية. فالمرونة ليست ضعفاً، كما أن تأجيل أو إلغاء استحقاق معين في سنة استثنائية لا يعني انهيار النظام التعليمي، بل قد يشكل أحياناً الوسيلة الوحيدة للحفاظ على عدالته ومشروعيته.

لذلك فإن المطالبة بإلغاء الامتحانات الرسمية هذه السنة لا ينبغي تصويرها كدعوة لهدم التعليم أو التخلي عن المعايير الأكاديمية، بل كخيار استثنائي تفرضه اعتبارات أمنية وتربوية ونفسية ولوجستية متشابكة. فالتعليم ليس امتحاناً فقط، والعدالة التربوية لا تتحقق بمجرد عقد الامتحان، بل بضمان أن جميع الطلاب يستطيعون خوضه في ظروف متكافئة وآمنة ومستقرة، وهي شروط ما زالت محل شك وجدل حتى اللحظة وفقاً للمعطيات الأمنية والواقعية القائمة.

إن حماية قيمة الشهادة الرسمية هدف مشروع، لكن حماية الطلاب وضمان المساواة بينهم تبقى هدفاً أسمى. وعندما يتعذر الجمع بين الأمرين بصورة كاملة في ظرف استثنائي، فإن واجب الدولة يقتضي ترجيح سلامة الطلاب والعدالة التربوية على الاعتبارات الشكلية المرتبطة بإجراء الامتحان بذاته.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

حين يُختبر الوطن تصبح التربية مشروعاً وطنياً لحماية الإنسان

    بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين: لا تُقاس قوة الأوطان فقط بقدرتها …