الثلاثاء , يونيو 9 2026

المرتضى في كتاب لكرامي: لا ندعو إلى إهدار قيمة الشهادة الرسمية بل إلى صون معناها

 

 

بوابة التربية: وجه وزير الثقافة السابق محمد وسام المرتضى كتابا الى وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي بشأن الإمتحانات الرسمية، جاء فيه:

جانب معالي وزيرة التربية والتعليم العالي الموقرة،

أتوجه اليكم بكثير من التقدير والاحترام، وأنتم تتولون في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان مسؤولية واحدة من أنبل الرسالات وأثقل الأمانات. فقد عرف عنكم أنكم الأكاديمية الجادة، والمربية المؤمنة برسالة التعليم، والإدارية التي تسعى، وسط العواصف التي تضرب البلاد، إلى حماية ما تبقى من مقومات الدولة وأسباب النهوض. وإن ما نكتبه اليوم لا يصدر عن موقع اعتراض على حرصكم على المستوى التربوي، بل عن ثقة بحكمتكم، وإيمان بأن من يحمل هم التربية بحق لا بد أن يصغي إلى الهواجس وأن يوازن بين مقتضيات النظام ومقتضيات العدالة.

ومن هذا الباب بالذات، باب الثقة لا الخصومة، والتقدير لا المناكفة، أسمح لنفسي بأن أخوض أمامكم في قضية الامتحانات الرسمية في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان، آملا أن يحظى ما سأطرحه تأملا منكم يراعي الواقع بقدر ما يحرص على المبدأ.

صاحبة المعالي،

أنتم من يعلم أن الامتحانات الرسمية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لقياس التحصيل العلمي في ظروف طبيعية تتيح للطلاب فرصا متقاربة في التعلم والاستعداد. فالامتحان، في جوهر فلسفته، ليس مجرد اختبار للمعرفة، بل أداة لتحقيق العدالة بين المتعلمين من خلال إخضاعهم لمعيار موحد بعد أن يكونوا قد حظوا بفرص متكافئة في التعلم.

غير أن هذا الشرط الجوهري تعرض هذا العام لاهتزاز عميق بفعل الحرب وتداعياتها. فلبنان منذ أشهر تحت وطأة حرب وحشية فرضت نزوحا وانقطاعا وتعطيلا لم تتساو آثاره بين منطقة وأخرى، ولا بين مدرسة وأخرى، ولا حتى بين طالب وآخر. فبينما تمكن بعض التلامذة من متابعة تحصيلهم في ظروف مقبولة نسبيا، وجد آخرون أنفسهم في مواجهة ظروف قاهرة حالت دون انتظام تعليمهم وأثرت في استقرارهم النفسي والاجتماعي والمعيشي.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن الحديث عن امتحان موحد في ظل واقع لم تكن فيه فرص التعلم موحدة؟ وكيف يطلب من الجميع التنافس على خط نهاية واحد فيما لم ينطلقوا من خط بداية واحد؟

إن العدالة التربوية لا تتحقق بتوحيد يوم الامتحان، بل بتوحيد الشروط التي تسبقه. فإذا اختل تكافؤ الفرص اختلالا جوهريا بفعل أسباب خارجة عن إرادة الطلاب، فإن الامتحان يفقد جزءا أساسيا من مبرره التربوي والأخلاقي. ذلك أن الامتحانات الرسمية وجدت أصلا لضمان المساواة، فإذا أصبحت أداة لإظهار آثار اللامساواة التي فرضتها الحرب، فإنها تكون قد ابتعدت عن الغاية التي شرعت من أجلها.

ثم إن الغاية من التربية هي بناء الإنسان لا إخضاعه لطقوس إدارية جامدة. ففي زمن الحرب تصبح الأولوية لحماية التلميذ وضمان استمرارية تعليمه قدر الإمكان، لا لإثقاله بأعباء إضافية قد تعكس ظروفه القاهرة أكثر مما تعكس مستواه الحقيقي.

وهنا تبرز قاعدة راسخة في الفقه والقانون والعقل معا: الضرورات تفرض المحظورات. فإذا كانت الحروب والكوارث تبرر للدول اتخاذ تدابير استثنائية في مختلف الميادين حفاظا على المصلحة العامة، فمن باب أولى أن تبرر إعادة النظر في آلية تقييم الطلاب عندما تكون شروط العدالة التي يقوم عليها التقييم قد تعرضت لاهتزاز كبير.

إن الدعوة إلى اعتماد صيغة استثنائية هذا العام لا تنطلق من رغبة في التخفيف من قيمة الشهادة الرسمية، بل من حرص على صون معناها الحقيقي. فالقيمة الفعلية للشهادة لا تنبع من الامتحان بحد ذاته، بل من عدالة الظروف التي أجري فيها. والاستثناء هنا ليس خروجا على العدالة، بل محاولة لاستعادتها في ظرف استثنائي.

معالي الوزيرة،

إن أبناءك الطلاب لا يحتاجون اليوم إلى امتحان يختبر قدرتهم على تحمل أعباء الحرب بقدر ما يحتاجون إلى دولة تتفهم آثارها عليهم. والثقة التي نوليكم إياها، والاحترام الذي نكنه لشخصكم الكريم، يدفعاننا إلى مناشدتكم أن تنظروا إلى هذه المسألة بعين العدالة قبل عين الإدارة، وبروح المربي الحريص على مستقبل أبنائه قبل روح متولي الأمر المقيد بحرفية الإجراءات.

فلسنا نطلب امتيازا لهؤلاء الطلاب، بل نطلب عدالة لهم. ولسنا ندعو إلى إهدار قيمة الشهادة الرسمية، بل إلى صون معناها. ذلك أن الشهادة التي تمنح في ظل عدالة منقوصة تفقد شيئا من مشروعيتها، أما الدولة التي تنحاز إلى الإنصاف في الظروف الاستثنائية فإنها تعطي أبناءها درسا في المواطنة والعدالة والتفهم أنفع للبنان من أي امتحان”.

 

 

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

مشروعية الامتحانات الرسمية بين الاستحقاق والاستثناء

    بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين: إن الدفاع عن التعليم لا يعني …