
بوابة التربية- كتبت نادين خزعل:
على مقربة من انطلاق العام الدراسي 2026-2027 ، ما زال الوضع التربوي في الجنوب غير مستقر نتيجة تداعيات العدوان الإسرائيلي لا سيما في البلدات والقرى التي دمرت فيها مباني المؤسسات التربوية بشكل كلي.
وهنا يُطرح السؤال: كيف يُحمى حق مجتمع كامل في البقاء، ويُحمى حق الأطفال في التعليم، وأين دور الجهات الرسمية المعنية بحماية بنية مؤسساتها التربوية حتى عندما تُستهدف مبانيها؟
في الواقع، لقد دفعت المدارس في الجنوب ثمنًا باهظًا للعدوان، من الخيام إلى بنت جبيل وكفركلا و بليدا وميس الجبل ومركبا وعيتا الشعب وغيرها، وإذا أردنا أن نكون واقعيين فلا يمكننا المطالبة الآن بإعادة بناء المدارس المهدمة بل علينا التفكير بكيفية المحافظة على المدرسة نفسها، ككيان تربوي وإداري ورسالة ومجتمع، حتى لو دمر مبناها فالمدرسة ليست بناء وحسب، إنما هي منظومة متكاملة مؤلفة من مدير ومعلمين وتلامذة وملفات وسجلات وذاكرة وعلاقات اجتماعية وانتماء إلى بلدة وحيّ ومحيط.
والمدرسة الرسمية تحديدًا هي جزء من هوية المجتمع المحلي، وهي إحدى مؤسسات الدولة التي يجب أن تبقى حاضرة حتى في أصعب الظروف، ومن هنا، فإن تدمير مبنى مدرسة لا ينبغي أن يؤدي بأي شكل من الأشكال إلى إلغاء المدرسة أو دمجها قسرًا أو فقدان شخصيتها الإدارية.
لقد أثبتت التجربة السابقة أن الدولة قادرة، عندما تتوافر الإرادة والتنسيق، على اعتماد حلول استثنائية ففي عهد الوزير عباس الحلبي تم وضع خطط طوارئ للتعامل مع النزوح وتعطّيل التعليم، واعتمدت إجراءات لنقل التلامذة إلى مدارس المناطق المضيفة وتأمين مستلزمات التعليم، كما جرى العمل على إنشاء مدارس للاستجابة للطوارئ لتأمين التعليم للتلامذة في مراكز بديلة.
واليوم، نحن أمام واقع استثنائي ربما يحتاج إلى استعادة تلك الخطة وتطويرها، لا إلى البدء من الصفر: خطة تربوية طارئة وطنية متكاملة لا تكون من مسؤولية وزارة التربية وحدها، فثمة حاجة ضرورية إلى غرفة عمليات مشتركة تتضافر فيها جهود وزارة التربية ووزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الداخلية والبلديات وحتى بالتنسيق مع الجهات المحلية والدولية المانحة، لوضع خريطة دقيقة للمدارس المتضررة،والمدارس التي أصبحت غير صالحة للتعليم، والمدارس التي تستضيف نازحين، وأعداد التلامذة والمعلمين المتضررين، وأعداد النازحين في المناطق المضيفة.
والأهم من ذلك، أن تترافق الخطة مع تمويل استثنائي لصناديق المدارس الرسمية، فلا يمكن أن نطلب من مدرسة رسمية أن تستقبل أعدادًا إضافية من التلامذة، وأن تتحمل أعباء النزوح، وأن تؤمن الخدمات الأساسية، ثم نترك صندوقها المدرسي يواجه هذه الأعباء بإمكانات محدودة.
والأمر نفسه ينطبق على المعلمين، فلا يجوز أن يصبح المعلم في المدرسة المدمرة موظفًا بلا مدرسة، ولا أن يصبح المدير بلا مؤسسة، ولا أن تتحول ملفات التلامذة إلى مجرد أرقام موزعة على مدارس أخرى.
المطلوب هو الحفاظ على الهيكلية الإدارية للمدرسة الأصلية: مديرها، ملاكها، سجلاتها، تلامذتها، هويتها وارتباطها ببلدتها، مع اعتماد مقر مؤقت أو مدرسة مضيفة أو نظام تعليم مدمج إلى حين إعادة بناء المبنى.
إلغاء المدرسة بعد تدمير مبناها يعني، من حيث لا ندري، إعطاء العدو فرصة ثانية: الأولى تدمير الحجر، والثانية تفكيك المؤسسة والذاكرة والانتماء وهذا ما لا ينبغي السماح به.
المطلوب اليوم هو حماية استمرارية المدرسة، وهذا يتطلب قرارات سريعة واستثنائية أكثر وضوحًا وشمولًا، وأن يتم التعامل مع المدرسة باعتبارها مؤسسة مستمرة لا مبنى قابلًا للإلغاء.
لقد اعتاد لبنان، للأسف، أن يتعامل مع الأزمات بعد وقوعها، وأن ينتظر حتى تتراكم الخسائر قبل أن يضع الخطط. لكن القطاع التربوي اليوم لا يحتمل هذا النوع من الإدارة، والعام الدراسي لا يملك ترف الوقت، فنحن أمام أزمة تربوية تستدعي قرارًا وطنيًا عاجلًا، قرار يقول بوضوح:
إذا دُمّر مبنى المدرسة، لا تُدمّر المدرسة.
إذا نزح التلامذة، لا ينقطع تعليمهم.
إذا تهدّم الحجر، تبقى الإدارة والمعلمون والطلاب.
وبعد… إعادة إعمار الجنوب تبدأ من إعادة إعمار الإنسان، وإعادة إعمار الإنسان تبدأ من إبقاء المدرسة حيّة. والعدوان الذي هدم الجدران، لا يجب أن ينجح في هدم المدرسة.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate