السبت , أكتوبر 10 2026

الأقساط المدرسية بين ثقافة الالتزام ومعركة الاستنزاف

 

 

بوابة التربية: نادين خزعل

 

مع بداية كل عام دراسي، يتحول القسط المدرسي في المؤسسات التربوية الخاصة إلى مادة للصدام، ويُطرح السؤال: كيف نحمي حق الأهل في تعليم أبنائهم، وحق المدرسة في الاستمرار، من دون تحويل العلاقة بين الطرفين إلى معركة خاسرة للجميع؟

في لبنان، يبدو أن ثقافة دفع الأقساط المدرسية باتت واحدة من أكثر القضايا التربوية حساسية، بسبب الأزمات الاقتصادية من جهة،  وبسبب تراجع ثقافة الالتزام لدى بعض الأسر، وتحويل الخلافات المالية بين الأهل والمدارس إلى مواجهة مفتوحة، تتداخل فيها الاعتبارات الاجتماعية والترندات الإعلامية، ويصبح فيها الاتهام أسهل من الفهم، والتصويب أسهل من البحث عن حلول.

المفارقة أن المواطن اللبناني يصل إلى محطة المحروقات، فيدفع ثمن البنزين رغم ارتفاع أسعاره، ويتوجه إلى الفرن فيشتري الخبز ويدفع ثمنه، من دون أن تتحول كل زيارة إلى مواجهة مع صاحب المحطة أو الفرن. لا يعني ذلك أن هذه الأسعار عادلة أو أن المواطن لا يعاني من وطأتها، بل إن المقارنة تطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا يصبح دفع كلفة التعليم، في حالات كثيرة، ساحةً للجدل والصدام، بدل أن يكون موضوعًا للتفاهم والمسؤولية المشتركة؟

إن التعليم، بخلاف كثير من السلع والخدمات، لا تكمن مقاربته على أنه معاملة تجارية عابرة فهو استثمار طويل الأمد في الإنسان والمجتمع. لكن هذه القيمة لا تعني أن المؤسسة التربوية تستطيع الاستمرار من دون موارد مالية، أو أن رسالتها التعليمية تعفيها من الأكلاف التشغيلية التي تتراكم عليها، من رواتب المعلمين والعاملين، إلى الكهرباء والمحروقات والصيانة والتجهيزات والوسائل التعليمية والتكنولوجيا وسائر المستلزمات الضرورية لضمان استمرار العملية التعليمية.

فالمدرسة الخاصة، ولا سيما المدرسة التي يديرها أفراد ولا تحظى بدعم مؤسساتي أو حزبي أو طائفي، ليست مؤسسة تعمل خارج الحسابات المالية، ولا يمكن مطالبتها بتقديم التعليم على نحو مستدام فيما تُترك وحدها لمواجهة الأعباء المتزايدة. إن استمرارها يرتبط بقدرتها على تأمين مواردها، كما يرتبط بجودة التعليم الذي تقدمه وبمدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المعلمين والأهل والطلاب.

وهنا لا بد من التمييز بين المدارس الخاصة المختلفة في طبيعتها وإمكاناتها. فهناك مدارس تابعة لجهات حزبية أو طائفية أو مؤسسات كبيرة، قد تستفيد من أشكال مختلفة من الدعم أو المساندة، في حين توجد مدارس خاصة فردية تعتمد بصورة أساسية على الأقساط لتغطية نفقاتها. ومن غير المنطقي التعامل مع هذه المؤسسات جميعًا باعتبارها متساوية في الموارد والقدرة على تحمّل الخسائر، أو مطالبة مدرسة مستقلة بتحمل أعباء لا تستطيع مؤسسة مدعومة تحملها أصلًا.

في المقابل، لا يمكن تجاهل واقع الأهالي، ولا سيما في ظل الانهيار الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة. فهناك أسر تعجز فعلًا عن تسديد الأقساط، لا تهرّبًا من مسؤولياتها، بل نتيجة ظروف قاهرة. وهذه الحالات تستدعي مقاربة إنسانية وتفاهمًا واضحًا، وخطط تقسيط واقعية، ومبادرات دعم ومنح حيثما أمكن. لكن الاعتراف بالعجز الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير عام لغياب الالتزام.

إن التصويب المستمر على المدارس، وتصويرها جميعًا باعتبارها خصمًا للأهل، يزرع الشك في العلاقة التربوية، ويفتح الباب أمام شرخ لا يخدم أحدًا. وعندما تصبح المدرسة في موقع الدفاع الدائم عن حقها في الاستمرار، ويصبح الأهل في موقع الاتهام الدائم، تتراجع الثقة، ويُستنزف الوقت والجهد اللذان ينبغي أن يُكرّسا للتعليم والتربية وبناء شخصية المتعلم.

إن الخاسر الأكبر في هذه المعركة هو الطالب. فهو يحتاج إلى مدرسة مستقرة، ومعلم يتقاضى أجره بانتظام، وبيئة تعليمية لا تطغى عليها التوترات. ولا يمكن بناء علاقة تربوية سليمة في مناخ من الشك والعدائية، أو مطالبة المعلم بأن يؤدي رسالته بأفضل صورة فيما المؤسسة التي يعمل فيها تكافح لتأمين أبسط مقومات الاستمرار.

من هنا، لا بد من إعادة الاعتبار إلى مفهوم الالتزام بالقسط المدرسي. فالتسجيل في مدرسة خاصة خيار تتخذه الأسرة وفق إمكاناتها وتوقعاتها، ويترتب عليه اتفاق واضح بشأن الرسوم وآلية تسديدها، ومن لا يملك القدرة يمكنه بكل بساطة عدم تسجيل أبنائه في مدرسة تفوق أقساطها قدرته المالية والبحث إما عن مدرسة تناسب قدرته أو تسجيل أولاده في المدارس الرسمية…

ولا يجب التغاضي وتحت أي ظرف من الظروف أن الالتزام بالقسط هو عهد تعاقدي وأخلاقي بين الطرفين، ينبغي احترامه ما دامت شروطه واضحة ومتفقًا عليها، مع مراعاة القوانين والحقوق والظروف الاستثنائية.

والأخطر هو تحويل  الانتقال من مدرسة خاصة إلى أخرى خاصة وسيلة للالتفاف على المستحقات المتراكمة أو التهرب منها. فكما أن من حق الأهل اختيار المدرسة التي يرونها مناسبة لأبنائهم، من واجبهم أيضًا تسوية الالتزامات المالية المترتبة عليهم. وفي المقابل، من واجب المدارس اعتماد الشفافية في احتساب الأقساط، وتوضيح أوجه الإنفاق، مع التذكير بإن قانون الطالب بالتعلم محمي في حال عجز ولي الأمر عن الدفع وذلك بالتوجه إلى المجالس التحكيمية وتسجيل الطالب في مدرسة رسمية حصرًا وليس في مدرسة خاصة أخرى.

إن ثقافة دفع الأقساط لا تُبنى بالضغط وحده، كما أن ثقافة الحقوق لا تكتمل بتجاهل الواجبات. المطلوب شراكة تربوية تقوم على الوضوح والثقة والمساءلة المتبادلة، وعلى قناعة بأن المدرسة ليست خصمًا للأهل، وأن الأهل ليسوا عبئًا على المدرسة، بل إن الطرفين شريكان في مسؤولية واحدة: حماية حق الطفل في تعليم مستقر وجيد.

لقد آن الأوان للخروج من منطق الاتهامات المتبادلة، ومن تحويل كل خلاف مالي إلى قضية رأي عام، وإرساء ثقافة تحترم المؤسسة التربوية من دون أن تمنحها حصانة من المساءلة، وتحمي الأهل من دون أن تعفيهم من مسؤولياتهم.

إن التعليم لا يستقيم بالصدام،وبين حق المدرسة في البقاء وحق الأسرة في تعليم أبنائها، تبقى المسؤولية المشتركة هي الطريق الوحيد لحماية التربية من أن تتحول إلى معركة استنزاف، يدفع ثمنها في النهاية المعلم والطالب والمجتمع بأسره.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

أربع جامعات لبنانيّة ضمن تصنيف مجلّة التايمز للتعليم العالي

      بوابة التربية: أصدرت مجلّة التايمز للتعليم العالي (THE) مؤخّراً تصنيفها للجامعات حول …