
بوابة التربية- كتب د. أحمد دمج*:
لم يكن تعيين الدكتور بسام بدران رئيساً للجامعة اللبنانية لولاية جديدة مدتها خمس سنوات، بقرار من مجلس الوزراء في الثامن من تشرين الأول 2026، حدثاً إدارياً عابراً؛ فالحديث هنا يتصل بالجامعة الوطنية التي عرفتها أجيال من اللبنانيين بيتاً للعلم، ومساحة للقاء، وطريقاً إلى الترقي الاجتماعي. وهي الجامعة التي تتوزع فروعها على المناطق، وتفتح أبواب التعليم العالي أمام طلاب قد لا تتاح لهم فرصة أخرى.
ويأتي هذا التعيين بعد ولاية أولى امتدت خمس سنوات، اعتباراً من الثالث عشر من تشرين الأول 2021، بموجب المرسوم رقم 8415 الصادر في الثاني والعشرين منه. وهذه مناسبة تستحق وقفة هادئة؛ فالجامعة اللبنانية أكبر من أن تُختصر في شخص رئيسها، والرئيس، مهما اتسعت صلاحياته، لا يصنع إنجازاتها منفرداً. وراء كل سنة جامعية تستمر، وكل امتحان يُنجز، وكل بحث يُنشر، أساتذة وموظفون وطلاب وعمداء ومديرون وفنيون. ولذلك لا يكون الإنصاف في مديح غير مشروط، كما لا يكون في تجاهل ما تحقق.
من الصمود إلى التطوير
تولى الدكتور بدران رئاسة الجامعة في واحدة من أقسى المراحل التي عرفها لبنان؛ فقد تزامنت بداية ولايته مع انهيار مالي أصاب رواتب الأساتذة والموظفين، واضطراب في المرافق العامة، وآثار ممتدة لجائحة كورونا، وصعوبات في تأمين الكهرباء والتجهيزات ومستلزمات التعليم.
وليس استحضار هذه الظروف وسيلة لإعفاء الإدارة من المساءلة، وإنما هو شرط للإنصاف؛ فالجامعة كانت تحاول المحافظة على أساتذتها وموظفيها، وتأمين استمرار التدريس والامتحانات، ومنع الأزمة الوطنية من التحول إلى انهيار جامعي كامل.
وقد نجحت الجامعة في الاستمرار، وحافظت على حضورها الأكاديمي، وواصلت تخريج طلابها ونشاطها البحثي. وهذه نتيجة ينبغي تسجيلها لإدارة الجامعة ولجميع أبنائها؛ فقد تحمّل الأستاذ والموظف والطالب، كلٌّ من موقعه، جزءاً من كلفة الصمود. غير أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من إدارة الضرورة إلى سياسات مستقرة تحمي المؤسسة وتطوّرها.
حضور أكاديمي ومشروعات واعدة
ويبرز، من بين إنجازات ومشروعات عديدة لا يتسع المقام لاستقصائها، تقدم الجامعة في تصنيف «QS» العالمي؛ إذ انتقلت من الفئة 701–750 في إصدار عام 2022 إلى المرتبة 515 في إصدار عام 2026. ولهذا التقدم قيمة خاصة؛ لأنه تحقق في وقت كانت فيه الجامعة تواجه نقص الموارد وهجرة الكفاءات وتراجع الأجور. ومع ذلك، لا تختصر المرتبة وحدها حقيقة الجامعة؛ فما يهم الطالب هو نوعية التعليم، والمختبر الذي يعمل فيه، والمكتبة التي يلجأ إليها، والأستاذ المستقر القادر على متابعته.
وشهدت الولاية محطات مهمة في ضمان الجودة؛ فقد حصل المركز الصحي الجامعي على شهادة الاعتماد الكندية الأولية، فيما حصل المعهد العالي للدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا على اعتماد من المؤسسة الفرنسية «Réseau Figure» مدة خمس سنوات.
ومن أبرز محطات المرحلة أيضاً افتتاح مصنع لتجميع الأجهزة الإلكترونية وإنتاجها في مجمع بيار الجميل الجامعي في الفنار، بالشراكة مع مجموعة طلال أبو غزالة العالمية. وتبعث الفكرة على التفاؤل؛ فطلاب الجامعة يحتاجون إلى فضاءات يرون فيها المعرفة وهي تتحول إلى تطبيق ومنتج وفرصة عمل. غير أن نجاح المشروع يُقاس بنتائجه: عدد الطلاب المتدربين، وحجم الإنتاج، وأثره في البحث التطبيقي وموارد الجامعة. ونشر هذه البيانات يحمي المشروع، ويعزز الثقة به، ويمهد لتوسيع مفهوم الجامعة المنتجة ليشمل الصحة والزراعة والأدوية والطاقة والبرمجيات.
وشملت المرحلة مشروعات للطاقة الشمسية وتوسيع نطاق التسجيل الإلكتروني. وهي خطوات مفيدة ينبغي استكمالها بنظام رقمي موحد يرافق الطالب من الانتساب إلى التخرج؛ فالرقمنة الحقيقية تعني تبسيط الإجراءات وتوحيدها وحماية بيانات الطلاب.
ملفات الولاية الجديدة
يتصدر هذه الملفات ملف التفرغ، وهو يستحق من رئيس الجامعة عناية خاصة ومتابعة حثيثة؛ ففي الجامعة زملاء أمضوا سنوات طويلة في التعليم بالتعاقد، وأسهموا في استمرار المؤسسة، واكتسبوا خبرات أكاديمية وتربوية جديرة بالتقدير. وقد آن الأوان لمعالجة أوضاعهم، وتفريغ المستحقين ممن تحتاج الجامعة إلى اختصاصاتهم، بما يمنحهم الاستقرار الوظيفي والأكاديمي، ويتيح لهم تكريس جهد أكبر للتعليم والبحث وخدمة الجامعة.
ولا تنفصل هذه المعالجة عن إصلاح نظام التعاقد؛ فينبغي تحديد الحاجات الأكاديمية الفعلية، واختيار المتعاقدين وفق الكفاءة، بعيداً عن المحاصصة، وتجديد العقود دورياً في ضوء الأداء والإنتاج العلمي. وهكذا يجمع الإصلاح بين إنصاف الزملاء وحماية حق الجامعة في اختيار من تحتاج إليهم وفق معايير واضحة.
ويرتبط بذلك ضبط الأنصبة، وتشعيب المقررات، وتنظيم تدريس المواد المشتركة؛ منعاً للهدر والتحايل في توزيع الساعات. ولا تقل صيانة الأبنية والمصاعد والمرافق الجامعية أهمية عن إنشاء مبانٍ جديدة؛ فهي تتصل بسلامة الطلاب والأساتذة والموظفين، وتضمن سهولة الوصول إلى القاعات والمكاتب. ومن المؤلم أن تعاني الجامعة نقصاً في التجهيز، فيما تُستنزف بعض مواردها في شعب لا تبررها أعداد الطلاب؛ لذلك تحتاج المعالجة إلى قاعدة بيانات دقيقة تُظهر الحاجات الفعلية في كل اختصاص.
وتحتاج الجامعة أيضاً إلى ضبط توزيع الصلاحيات وتطبيق أنظمتها بدقة؛ فتداخل الصلاحيات وضعف الإلمام بالأنظمة يولّدان نزاعات مزمنة، ويستنزفان وقت الرئاسة في تفاصيل يُفترض أن تُعالج في الأقسام والفروع والكليات. ومن شأن تحديد المسؤوليات، وحسم تنازع الصلاحيات، أن يتيح لرئيس الجامعة تخصيص مزيد من الوقت للتخطيط والتطوير.
ويحتاج البحث العلمي إلى موقع متقدم في سياسة الجامعة وتقويم أساتذتها؛ فقيمة البحث تُقاس بأصالته ومنهجه وإضافته إلى المعرفة. ومن المهم أيضاً تفعيل منح التفوق لطلاب الدكتوراه، بما يمكّن الباحث الجاد من التفرغ للعمل العلمي، ثم يفتح أمامه طريق المنافسة العادلة بعد التخرج. ويكتمل ذلك بمراجعة دورية للمناهج تواكب تطور العلوم والفنون وطرائق التعليم.
من الصمود إلى البناء
حققت الجامعة في الولاية الأولى حصيلة تستحق التقدير، في ظروف لم تكن رحيمة بها ولا بأهلها. غير أن الولاية الجديدة لا ينبغي أن تكون تكراراً للأولى؛ فقد كان إبقاء الجامعة واقفة أولوية مفهومة في سنوات الأزمة، أما اليوم فالمطلوب الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى سياسات مستقرة، ومن معالجة المشكلات بعد تفاقمها إلى بناء أنظمة تحول دون تراكمها.
وأحسب أن الجامعة تملك من الكفاءات والطاقات ما يؤهلها لهذه المرحلة؛ فهي لا تنقصها العقول القادرة على العطاء، وإنما تحتاج إلى نظام يكافئ الكفاءة، وقانون يحترمه الجميع، وإدارة توجه مواردها حيث تشتد الحاجة. عندئذ يصبح التعيين لولاية جديدة فرصة لتجديد المؤسسة نفسها، فتستعيد الجامعة اللبنانية دورها الذي نريده لها: جامعة تنتج المعرفة، وتبني الإنسان، وتسهم في إخراج الوطن من أزماته.
* رئيس قسم اللغة العربية- الفرع الأول
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate