
بوابة التربية- كتب د. حسين عبيد*:
في غمرة بناء مناهج مطوّرة، لا يكفي تحديث معلومات التاريخ أو تنويع مصادره أو الانتقال من سرديّة واحدة إلى روايات متعدّدة؛ بل يتطلّب ذلك إعادة النظر في كيفيّة فهم الحدث التاريخي وبناء تفسيره. فالتاريخ ليس تعاقبًا للأحداث، ولا مجموعًا لعوامل سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة تُدرس كلٌّ على حدة، بل عمليّة متحرّكة تتشكّل من تفاعل المكوّنات والفاعلين والسياقات، ومن العلاقات المتبادلة التي تربط بينها عبر الزمن.
وينبغي أن تنتقل المناهج المطوّرة من عرض الأحداث والعوامل إلى تحليل العلاقات التي أسهمت في تشكيلها. فليس كافيًا تحديد أسباب الحدث التاريخي، بل يجب فهم كيفيّة تفاعلها وتغيّر أوزانها وتأثيراتها؛ فقد تعيد التحوّلات الاقتصاديّة تشكيل العلاقات الاجتماعيّة، وتؤثّر هذه العلاقات في موازين القوى والخيارات السياسيّة، فيما توجّه الأفكار والتمثّلات القرارات أو تبرّرها، ثم تعود النتائج إلى تغيير الظروف التي نشأت فيها. وهكذا، لا يُفهم الحدث بردّه إلى سبب منفرد، بل بإعادة بناء المسار الذي أفضى إليه.
ويتطلّب ذلك تحديد الكفايات وفق المرحلة التعليميّة. ففي المراحل الأولى، يتعلّم المتعلّم التمييز بين الفاعل والسياق والنتيجة، والبدء بربط عدد محدود من العوامل. أمّا في الحلقات الأربع الأولى من التعليم الأساسي والمرحلة الثانويّة، فيتوسّع التحليل ليشمل تفاعل العوامل الداخليّة والخارجيّة، وتغيّر أوزانها عبر الزمن، والعلاقة بين الأحداث القصيرة والتحوّلات البنيويّة طويلة المدى. وبذلك، تتدرّج الكفايات التحليليّة بحسب نموّ المتعلّم وقدرته على فهم العلاقات الأكثر تعقيدًا، بدل اعتماد مهمّة موحّدة لجميع الأعمار.
ولا يعني هذا التحوّل جمع أكبر عدد من العوامل، بل تحديد العلاقات الفاعلة بينها، والتمييز بين الأسباب والشروط والنتائج، وتقدير وزن كلّ عنصر في سياقه. ولتجنّب التحميل المعرفي، أي إغراق المتعلّم بعدد كبير من العوامل والعلاقات في وقت واحد، ينبغي التركيز في كلّ درس على عدد محدود من العلاقات المركزيّة التي تساعد على تفسير الحدث أو التحوّل المدروس.
ويمكن ترجمة هذه الغايات إلى أسئلة منهجيّة تتكرّر في الدروس، وتوجّه المتعلّم في بناء تفسيره التاريخي:
– ما العلاقات القائمة بين العوامل والفاعلين والسياقات؟
– كيف تفاعلت هذه العناصر، وكيف تغيّرت أوزانها عبر الزمن؟
– ما الذي تُبرزه كلّ رواية وما الذي تغفله، ومن أنتجها، وفي أيّ سياق، ولأيّ غرض؟
– ما التفسير الأكثر اتّساقًا مع الأدلّة، وما المعطيات التي قد تستدعي مراجعته؟
وتقود هذه الأسئلة إلى إعادة النظر في طبيعة السرديّة التاريخيّة نفسها. فالسرديّة ليست انعكاسًا محايدًا للأحداث، بل بناء ينظّم الوقائع ضمن تسلسل ومعنى، وينتقي ما يبرزه وما يستبعده، ويربط بين الأسباب والفاعلين والنتائج، ويمنح الفاعلين أدوارًا متفاوتة. لذلك، لا يتحقّق الانتقال من تلقّي السرديّات إلى نقدها بمجرّد عرض روايات متعدّدة، بل بإخضاعها للفحص والمقارنة، والكشف عن مرجعياتها، بالتالي منطلقاتها وسياقات إنتاجها. كما أنّ تعدّد الروايات لا يعني تكافؤها؛ فالحكم التاريخي يستند إلى موثوقيّة المصادر، وقوّة الأدلّة، وتماسك التفسير، لا إلى مجرّد اختلاف وجهات النظر.
من هنا تبرز أهميّة المقاربة التشابكيّة التفاعليّة، التي تجعل العلاقات محورًا لفهم التاريخ، من خلال دراسة تفاعل العوامل والفاعلين والسياقات، والروابط بين الأبعاد السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، وبين المستويات المحليّة والإقليميّة والدوليّة. فقيمة هذه المقاربة لا تكمن في جمع أبعاد متعدّدة، بل في الكشف عن كيفيّة ترابطها وتأثير بعضها في بعض، وما ينتج عن ذلك من تحوّلات في المسارات التاريخيّة. وبذلك، يصبح التفاعل مبدأً ناظمًا لبناء المنهاج وتنظيم المعرفة التاريخيّة وتفسيرها، وينعكس في اختيار المحتوى، وصياغة الأسئلة والأنشطة، وبناء أدوات التقييم.
وإذا كانت المقاربة التشابكيّة تفسّر العلاقات بين مكوّنات الحدث، فإنّ التفاعل الحضاري يوسّع التحليل إلى العلاقات بين المجتمعات والحضارات. فالتاريخ الإنساني لم يتشكّل في مجتمعات مغلقة، بل عبر انتقال المعارف والأفكار والتقنيّات، والتجارة والهجرة، والاحتكاك والصراع والهيمنة والمقاومة. وهذه العلاقات ليست متكافئة دائمًا، ولا تؤدّي بالضرورة إلى الانسجام، لكنّها تسهم في تشكيل الهويّات والمصالح والتحوّلات المتبادلة.
وعليه، لا يعني التفاعل الحضاري استبدال سرديّات الصراع بسرديّات مثاليّة عن التفاهم، بل دراسة تداخل التبادل الثقافي مع الهيمنة السياسيّة، وتجاور المصالح المشتركة مع الصراعات، مع مراعاة تفاوت القوّة والمسؤوليّة بين المجتمعات. وهو بذلك يتيح فهم الترابط بين التجارب الإنسانيّة من دون إغفال الاختلافات أو اختزال العلاقات التاريخيّة في التفاهم وحده أو الصراع وحده.
وتتّضح أهميّة هذه الرؤية في السياق اللبناني، حيث تتداخل الذاكرة التاريخيّة بالانقسامات السياسيّة والاجتماعيّة. فدراسة الحرب الأهليّة لا يمكن اختزالها في روايات الجماعات المتعارضة أو في عامل منفرد، بل تتطلّب تحليل تفاعل المكوّنات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، والعوامل الداخليّة والخارجيّة، وتحوّلات السياق ومواقف الفاعلين. كما تستدعي فحص السرديّات في ضوء مصادرها وأدلّتها، من دون فرض ذاكرة موحّدة. ولا ينبغي أن يقتصر تطبيق هذه المقاربة على القضايا الوطنيّة الحسّاسة، بل يمكن توسيعه ليشمل فترات وسياقات تاريخيّة متنوّعة.
ولتحويل هذه الرؤية إلى ممارسة تعليميّة، يمكن اعتماد نشاط صفّي بعنوان «كيف تُروى الحرب؟»، تُعرض فيه وثائق وشهادات وصور ذات مصادر وسياقات مختلفة. يبحث المتعلّمون فيما تبرزه كلّ وثيقة وما تغفله، وفي العلاقات التي تقيمها بين الأسباب والفاعلين والنتائج، ثم يقارنون التفسيرات ويختبرونها في ضوء الأدلّة، وصولًا إلى بناء تفسير تاريخي معلّل يوضّح تفاعل المكوّنات في تشكيل الحدث، وكيف أثّر موقع الراوي في روايته. والمطلوب ليس اختيار رواية جاهزة، بل بناء موقف يستند إلى الأدلّة ويظلّ قابلًا للمراجعة.
ويشترط لنجاح هذا النشاط اختيار مصادر متنوّعة في مواقع إنتاجها ووجهات نظرها، موثوقة من حيث نسبتها، ومحدّدة السياق، ومناسبة لمرحلة المتعلّمين، ومصحوبة بمعلومات كافية تفسّر ظروف إنتاجها. كما ينبغي مراعاة البعد الأخلاقي عند التعامل مع وثائق العنف أو شهادات الضحايا، عبر اختيار مقتطفات محدودة، وتوفير تأطير تاريخي ونفسي مناسب، وتجنّب استثمار الألم الجماعي بوصفه مادّة للمنافسة بين الروايات.
وينبغي أن ينسجم التقييم مع هذه الغايات، فلا يقتصر على قياس حفظ العوامل وتعدادها، بل يكشف جودة التفكير التاريخي لدى المتعلّم، من خلال معايير تشمل:
– دقّة قراءة المصدر وفهم سياقه.
– وضوح التمييز بين السبب والشرط والنتيجة.
– جودة تحليل العلاقات بين العوامل والفاعلين.
– عمق المقارنة بين الروايات ومراعاة موقع الراوي.
– منطق الاستدلال وتماسك الحجّة التاريخيّة.
– الاستعداد لمراجعة الاستنتاج عند ظهور دليل جديد.
ويستدعي إدماج هذه المقاربة تطوير طرائق التعليم والتقييم ودور المعلّم. فالكتاب المدرسي يبقى مرجعًا لتنظيم المعرفة، ضمن بيئة تعلّم تتيح فحص الوثائق والشهادات والخرائط والصور، وربطها بسياقاتها، ومقارنة التفسيرات واختبارها. أمّا المعلّم، فلا يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل يوجّه بناءها، ويساعد المتعلّمين على تحليل التفاعلات وفحص السرديّات، ويدير النقاش حول القضايا الحسّاسة باحترام وجهات النظر، من دون التخلّي عن معايير الدليل والتحليل.
ويتطلّب ذلك تأهيلًا مهنيًّا مستمرًّا في اختيار المصادر، وصياغة الأسئلة، وإدارة النقاش، والتمييز بين نقد الرواية والحكم على أصحابها. لكنّ التأهيل وحده لا يكفي؛ إذ يحتاج المعلّم إلى وقت صفّي كافٍ، وأدوات تعليميّة جاهزة قابلة للتكييف بحسب المراحل والسياقات، وسياسات تقييم لا تعاقبه على تخصيص الوقت اللازم للتحليل والنقاش بدل الاكتفاء بتغطية المحتوى.
وعلى هذا الأساس، لا يكمن الرهان في تطوير مناهج التاريخ في استبدال سرديّة بأخرى أو مضاعفة عدد الروايات، بل في تغيير منطق فهم الماضي وبناء المعرفة عنه: من تجزئة المعرفة إلى ترابطها، ومن استعادة الروايات إلى فحصها، ومن تفسير الماضي بعوامل منفصلة إلى فهمه في شبكة علاقاته التاريخيّة والحضاريّة.
فليس المطلوب أن يتعلّم المتعلّم كيف تفاعلت المجتمعات والحضارات فحسب، بل أن يمتلك منهجًا في التفكير والبحث يمكّنه من اكتشاف هذا التفاعل وتحليله، وبناء تفسير تاريخي يستند إلى الأدلّة ويظلّ منفتحًا على المراجعة.
*خبير مشارك في إعداد منهاج حقل التاريخ في المركز التربوي للبحوث والإنماء
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate