الخميس , فبراير 12 2026

سلسلة الرتب والرواتب بين الاتّهام والاقرار

 

بوابة التربية- كتب د. حيدر إسماعيل:

تُعد سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام من المواضيع الشائكة في لبنان، حيث يعتقد أو يتّهم بعضهم بأنّها أحد أسباب الأزمة الاقتصادية التي سبّبت العجز في البلد منذ ١٠ سنوات تقريبًا.

ولكن هل هذا الاتهام أو الاعتقاد صحيح؟ وهل يجب على الدولة وضع سلسلة جديدة بعد مرور ١٠ سنوات وانهيار الوضع الاقتصادي؟

ثمّة أسباب تنفي دور سلسلة الرتب والرواتب في الأزمة الاقتصادية؛ فالرواتب ليست السبب الرئيسي للعجز المالي، إذ تشير الدراسات إلى أنّ رواتب القطاع العام في لبنان لا تمثل سوى نسبة صغيرة من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي يعدّ الفساد والهدر في الإنفاق العام من الأسباب الرئيسة للأزمة الاقتصادية، فيُقدر أنّ الاقتصاد غير الرسمي يمثّل نسبة كبيرة من الناتج المحلّي الإجمالي، ممّا يعني أنّ هناك موارد مالية كبيرة لا تُدفع الضرائب، ولا تُسهم في دعم الخزينة العامة، إضافة إلى السياسات الاقتصاديّة الخاطئة التي اتّبعتها الحكومات اللّبنانية على مرّ السنين من الأسباب الرئيسة للأزمة الاقتصادية.

وهناك الكثير من الموارد المهدورة التي لا تُستغلّ بالطريقة الصّحيحة من الحكومات المتعاقبة ومنها: الأملاك البحرية الغنية بالثروات الطبيعية، ومطار بيروت الدولي الذي يعدّ من أهم المراكز الاقتصادية في لبنان، ولكن إدارته تعاني من الفساد والهدر، والإجارات الضئيلة المردود فلا تُسهم في دعم الخزينة العامة، وكذلك كازينو لبنان الذي تتقاسم أرباحه بين المستثمرين.

ولا بدّ من طرح السؤال الآتي: لماذا يجب وضع سلسلة رتب ورواتب جديدة؟

ثمّة أسباب تسهم في دفع إلى وضع سلسلة رتب ورواتب جديدة، ومنها:

  • الانهيار الاقتصادي: انهار الوضع الاقتصادي في لبنان بشكل كبير، ممّا أدّى إلى انخفاض قيمة الليرة اللبنانية وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين.
  • الضغط على القطاع العام: يعاني القطاع العام من ضغط كبير بسبب انخفاض الرواتب وتدهور الوضع المعيشي للموظفين.
  • الحاجة إلى تحفيز الاقتصاد: تحتاج الدولة إلى وضع سياسات اقتصاديّة جديدة لتحفيز الاقتصاد وتشجيع الاستثمار.

نسب النّفقات في الموازنة اللبنانية (2019-2026)

تُعدّ قراءة تطوّر بنية الإنفاق في الموازنة العامّة وسيلةً أساسيّة لفهم طبيعة الأزمة الماليّة في لبنان، إذ لا تكشف الأرقام حجم الإنفاق فحسب، بل تُظهر أيضًا توجّهاته وأولويّاته. فارتفاع النفقات الجارية مقابل انخفاض النفقات الاستثمارية يدلّ على اقتصادٍ يستهلك أكثر ممّا ينتج، ويحدّ من إمكانات النموّ والتنمية. ومن خلال تتبّع نسب الرواتب والأجور وفوائد الدين العام، يمكن الوقوف على حجم الضغط الواقع على الخزينة العامة وأسباب العجز المالي المتراكم. لذلك يبيّن الجدول الآتي تطوّر نسب بنود الإنفاق في الموازنة اللبنانية خلال السنوات الممتدّة من 2019 إلى 2026.

 

السنة النفقات الجارية النفقات الاستثمارية فوائد الدين الرواتب والأجور
2019 92.7% 7.3% 34.1% 44.2%
2020 97.2% 2.8% 20.1% 50.1%
2021 98.3% 1.7% 10.5% 55.1%
2022 98.5% 1.5% 8.1% 58.1%
2023 98.8% 1.2% 6.1% 63.1%
2024 88.9% 11.1% 5.1% 52.1%
2025 88.5% 11.5% 4.8% 52.0%
2026 88.9% 11.1% 4.5% 22.05%

ملاحظة: النسب التي ذكرت سابقًا هي نسب مئوية من إجمالي الموازنة (النفقات الجارية + النفقات الاستثمارية) أمّا فوائد الدين والرواتب والأجور فهي من ضمن النفقات الجارية.

 

النّسب في الموازنة اللبنانية منذ 5 سنوات إلى اليوم تشير إلى تدهور في الوضع الاقتصادي. في العام 2019، كانت النفقات الجارية تمثل 92.7% من الموازنة، بينما كانت النفقات الاستثمارية 7.3%. في العام 2020، ارتفعت النفقات الجارية إلى 97.2%، بينما انخفضت النفقات الاستثمارية إلى 2.8%.

في العام 2021، كانت النفقات الجارية 98.3%، والنفقات الاستثمارية 1.7%. وفي العام 2022، كانت النفقات الجارية 98.5%، والنفقات الاستثمارية 1.5%. وفي العام 2023، كانت النفقات الجارية 98.8%، والنفقات الاستثمارية 1.2%.

أما في العام 2026، فمن المتوقع أن تكون النفقات الجارية 88.9%، والنفقات الاستثمارية 11.1%

هذه النسب تشير إلى أن الحكومة اللبنانية تعاني من عجز مالي كبير، وأنها تعتمد بشكل كبير على النفقات الجارية، ممّا يحدّ من قدرتها على الاستثمار في المشاريع التنموية.

دراسة موازنة 2026

تبلغ قيمة موازنة 2026 في لبنان حوالى 505 تريليونات ليرة لبنانية (حوالى 5.6 مليارات دولار)

لفهم طبيعة الموازنة اللبنانية بصورة أدقّ، لا يكفي النظر إلى حجمها الإجمالي، بل ينبغي تحليل كيفية توزّع نفقاتها وإيراداتها بين بنودها المختلفة. فتركيبة الموازنة تكشف ما إذا كانت الدولة تتجه نحو الاستثمار والتنمية أم تقتصر على تغطية النفقات التشغيلية وتسيير المرافق العامة. وفي ظلّ الأزمة الاقتصادية الراهنة، يكتسب توزيع النفقات الجارية والاستثمارية، إضافة إلى الرواتب والتقديمات الاجتماعية والتحويلات، أهميّة كبيرة في تقييم قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار المالي وتحفيز النمو الاقتصادي. ويوضح الجدول الآتي أبرز نسب بنود موازنة عام 2026 من إجمالي الموازنة العامة. وهي على الشكل الآتي:

الباب النفقات من إجمالي الموازنة
النفقات الجارية 88-90% تشمل الرواتب والأجور والتقديمات الاجتماعية وكلفة تشغيل الإدارات العامة.
النفقات الاستثمارية 10-12% هي نسبة متدنية لا تسمح بإطلاق مشاريع بنى تحتية كافية.
الرواتب والأجور 22.05%
التقديمات الاجتماعية 25.80%
التحويلات 12.46%
الإيرادات الضريبية 82.29%

 

نسبة رواتب القطاع العام في لبنان تبلغ حوالى 22.05% من إجمالي الموازنة، حيث تمثل رواتب الموظفين والعسكريين والمتقاعدين عبئًا كبيرًا على الخزينة العامة؛ ففي العام 2026، تم تخصيص حوالى 10.700 ألف مليار ليرة لبنانية لرواتب الموظفين شهريًا.

والحد الأدنى للرواتب في القطاع العام تم رفعه إلى 400 دولار أمريكي، بينما الحد الأقصى هو 1200 دولار أمريكي، وذلك على سعر الصرف 89,500 ليرة للدولار الواحد.

حلول مقترحة لتحسين الوضع الاقتصادي اللبناني

بعد تشخيص مكامن الخلل في المالية العامّة والاقتصاد اللبناني، لا تكتمل الدراسة من دون الانتقال إلى الجانب العملي القائم على اقتراح سبل المعالجة. فالأزمة الاقتصادية التي يعانيها لبنان ليست ظرفًا عابرًا، بل نتيجة تراكمات بنيوية في السياسات المالية والإدارية والإنتاجية، ما يستدعي اعتماد مجموعة من الإصلاحات المتكاملة لا تقتصر على إجراء واحد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى طرح حلول واقعية تهدف إلى خفض العجز، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني، بما يسهم في تحقيق الاستقرار المالي وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين.

فهناك عدة حلول مقترحة لتحسين الوضع الاقتصادي اللبناني، ومنها:

  • إصلاح النظام الضريبي وتحسين كفاءته لزيادة الإيرادات الحكومية.
  • تخفيض النفقات الجارية وتوجيهها نحو الاستثمارات التنموية.
  • تعزيز الاستثمارات الأجنبية لتعزيز النمو الاقتصادي.
  • إصلاح القطاع العام وتقليص العجز المالي.
  • تعزيز الصادرات لتعزيز الاقتصاد.
  • إصلاح النظام المصرفي وتحسين كفاءته.
  • إصلاح النظام الإداري وتقليص الفساد.
  • تعزيز الاستثمارات المحلية لتعزيز النمو الاقتصادي.
  • إنشاء صندوق للاستثمارات السيادية لاستغلال الثروات الطبيعية اللبنانية.
  • تعزيز القطاع الزراعي لزيادة الإنتاجية وتحسين الأمن الغذائي.
  • تطوير القطاع السياحي لزيادة الإيرادات وتحسين الاقتصاد.
  • تعزيز القطاع الصناعي لزيادة الإنتاجية وتحسين الاقتصاد.
  • تعزيز التعليم والتدريب لتحسين كفاءة القوى العاملة.
  • تعزيز التجارة الإلكترونية لزيادة الإيرادات وتحسين الاقتصاد.
  • إنشاء نظام للتمويل الصغير لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
  • إنشاء نظام للضمان الاجتماعي لتحسين مستوى المعيشة.
  • إنشاء نظام للحوافز الاستثمارية لتشجيع الاستثمارات الأجنبية.
  • تعزيز التعاون الإقليمي لتحسين الاقتصاد.
  • إنشاء نظام للمراقبة المالية لتحسين كفاءة الإدارة المالية.

خلاصة

تتناول الدراسة قضية سلسلة الرتب والرواتب في لبنان، وتناقش الاتهام الشائع بأنّها من أسباب الأزمة الاقتصادية، ثم تبحث في ضرورة إصدار سلسلة جديدة بعد مرور عشر سنوات على السلسلة السابقة والانهيار المالي الذي أصاب البلاد.

وتخلص الدراسة إلى أنّ الأزمة الاقتصادية في لبنان ليست ناتجة أساسًا عن سلسلة الرتب والرواتب، بل عن خلل بنيوي عميق في الاقتصاد والإدارة المالية، يتمثل في الفساد، وضعف الاستثمار، والسياسات الاقتصادية الخاطئة.

أما إقرار سلسلة جديدة فهو إجراء اجتماعي ضروري لتحسين معيشة الموظفين، لكنّه وحده لا يحلّ الأزمة، بل يجب أن يترافق مع إصلاح اقتصادي شامل يعيد هيكلة المالية العامة، ويحوّل الاقتصاد من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج.

ويجب على الدولة وضع سلسلة جديدة تأخذ بعين الاعتبار الوضع الاقتصادي الحالي وتسهم في تحفيز الاقتصاد وتحسين الوضع المعيشي للمواطنين، وأن تكون هذه السلسلة جزءًا من خطة اقتصادية شاملة تهدف إلى إصلاح الاقتصاد اللبناني وتحقيق الاستقرار المالي، مع التركيز على استغلال الموارد المهدورة وتحسين إدارة الاقتصاد.

 

 

 

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

التعليم يدفع ثمن الهدر: الأساتذة ليسوا مسؤولين عن الانهيار

    بوابة التربية: حمّلت لجنة حملة الدكتوراه في التعليم الثانوي والمهني والأساسي، وزارةَ المالية …