الخميس , فبراير 12 2026

تساؤل وارتياب بملف تفريغ الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية

 

بوابة التربية- كتب د. هلال درويش:

في الآونة الأخيرة، بدا أن ملف تفريغ الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية قد بدأ يسلك طريقه نحو الحل، بعد سنوات طويلة من الانتظار والترقب. وللمرة الأولى منذ زمن، شعر كثير من المتعاقدين بأن الإنصاف بات قريبًا، وأن سنوات خدمتهم التي امتدّت لدى بعضهم إلى خمسة عشر عامًا وأكثر لن تذهب سدى.

غير أنّ المشهد لم يخلُ من تساؤلات وارتياب.

عندما يقترب الحل… تبدأ الاعتراضات

ما إن بدأت ملامح الحل تتبلور، حتى انبرى بعض المتحركين تحت عنوان «التوازن الوطني» أو «التوازن الطائفي»، في تحركات بدت للمتابعين مثيرة للريبة. والسؤال المشروع هنا: هل التحرك دفاعٌ حقيقي عن مبدأ التوازن؟ أم أنّ الشعار استُخدم غطاءً لاعتبارات أخرى؟

المفارقة أنّ من يرفعون اليوم لواء “التوازن” لم يُعرف عنهم سابقًا هذا الحرص المبدئي حين كانت الجامعة تنهار تحت وطأة الشغور والتعاقد المزمن لفئة على حساب فئات أخرى. فهل المسألة حقًا دفاع عن الطائفة؟ أم حسابات مرتبطة بصناديق تعاضد وتعويضات ومكتسبات داخلية يُخشى أن تتأثر بزيادة عدد المتفرغين؟

إنّ ربط الملف بحقوق مالية مكتسبة لفئة دون أخرى يُدخل الجامعة في منطق تقاسُم لا في منطق بناء مؤسسة أكاديمية وطنية.

بين وعد خطاب القسم ومسار الإنجاز

لا يمكن فصل تسارع الملف عن المناخ السياسي العام، ولا سيما ما أُعلن في خطاب قسم فخامة رئيس الجمهورية من وعود إصلاحية أعادت إحياء الأمل بإعادة انتظام المؤسسات. وفي هذا السياق، بدا أنّ ملف التفرغ حظي بدفعٍ جدّي، ما أطلق مسيرة إيجابية نحو إقراره.

لكن في خضم هذه المسيرة، شهدنا إضرابين لرابطة الأساتذة المتفرغين: الأول يوم الثلاثاء 27 كانون الثاني، والثاني يوم الأربعاء 11 شباط 2026. ورغم أنّ المطالب المعلنة مشروعة في ظاهرها، إلا أنّ التوقيت تحديدًا أثار تساؤلات لدى شريحة واسعة من الأساتذة المتعاقدين.

فهل كان الإضرابان في سياق المطالب النقابية البحتة؟ أم أنّ في الخلفية ما يتجاوز الظاهر؟
اللبيب يدرك أنّ التوقيت في السياسة والإدارة ليس تفصيلاً.

وقد عبّر عدد من المتعاقدين عن اعتراضهم على هذا التزامن، معتبرين أنّ الضغط في لحظة إنضاج الملف قد يهدد مساره بدل أن يعززه.

تحركات غير معهودة وزيارات لمرجعيات عليا

زاد المشهد تعقيدًا ما شهدته المرحلة من تحركات غير معهودة وزيارات لمرجعيات عليا وفاعلة جدًا، في وقت كان فيه الملف يُطبخ على نار هادئة في أروقة القرار. هذه الحركة الكثيفة فتحت باب الأسئلة حول طبيعة الضغوط المتبادلة، وحول ما إذا كان ثمة من يسعى إلى إعادة خلط الأوراق.

فالجامعة اللبنانية لطالما كانت مرآة للتوازنات اللبنانية الدقيقة، وملف بحجم التفريغ لا يمكن فصله عن منطق الواقع اللبناني  “وفن الممكن” الذي يحكم القرارات الكبرى في البلاد.

جلسة 6 شباط: إقرار وفق الممكن لا المثالي

في الجلسة الشهيرة يوم الجمعة 6 شباط، أقرّ مجلس الوزراء تفريغ 1690 أستاذًا، وعلى أربع دفعات، في خطوة اعتُبرت تسوية واقعية تراعي التوازنات القائمة. لم يكن القرار مثالياً في نظر الجميع، لكنه مرّ وفق منطق الممكن، لا منطق المثال.

ففي لبنان، كثير من الملفات لا تُقرّ إلا بإرضاء الأطراف المختلفة، وإلا بقيت رهينة الأدراج.

وبعد القرار، نشرت جريدة النهار ما يفيد بأن الحاجات الحقيقية للجامعة تختلف عمّا أُقرّ بأنها 800 أستاذ مستندة إلى ما نُسب إلى رابطة الأساتذة المتفرغين. وهنا يبرز تساؤل إضافي: هل الحاجات الأكاديمية تحددها الرابطة أم تُحدّد بمعايير علمية واضحة صادرة عن الكليات والإدارات المختصة؟ أم أنّها تخضع أحيانًا لاعتبارات ضغط وتأثير من جهات معروفة بعدم رغبتها في إقرار الملف بصيغته المطروحة؟

بين الحق المشروع والارتياب المشروع

لا خلاف على أنّ تفريغ من أفنوا سنوات طويلة في خدمة الجامعة هو حقٌّ مشروع، شرط أن يستند إلى معايير أكاديمية شفافة. لكن في المقابل، فإن التوقيتات المتداخلة، والشعارات المرفوعة فجأة، والتحركات الكثيفة في لحظة الحسم، تجعل من الارتياب بدوره مشروعًا.

الجامعة اللبنانية ليست صندوق تعاضد، ولا ساحة صراع حصص، بل هي مؤسسة وطنية يُفترض أن يكون معيارها الأول الكفاءة والحاجة الفعلية.

اليوم، وبعد إقرار التفريغ، يبقى التحدي الحقيقي في تثبيت ثقافة شفافة تُغلق باب الشكوك مستقبلًا، وتعيد الثقة بين مكوّنات الجسم الأكاديمي. فإما أن يكون هذا القرار بداية انتظامٍ مؤسساتي جديد، وإما أن يبقى محطة في مسار طويل من التسويات المؤقتة.

وفي بلدٍ اعتاد فنّ الممكن، يبقى الأمل أن يتقدم الممكن خطوة نحو العدل الكامل

 

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

التعليم يدفع ثمن الهدر: الأساتذة ليسوا مسؤولين عن الانهيار

    بوابة التربية: حمّلت لجنة حملة الدكتوراه في التعليم الثانوي والمهني والأساسي، وزارةَ المالية …