
بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:
منذ إقرار ملف التفرّغ بتاريخ 16 شباط 2026، لا يزال الأساتذة المتعاقدون في الجامعة اللبنانية يعيشون حالة انتظار مفتوحة، رغم الوعود المتكررة بحسم الملف “في أقرب جلسة”. إلا أنّ الأشهر مرّت، والجلسات الحكومية تعاقبت، فيما بقيت الأسماء معلّقة، وكأنّ هذا الاستحقاق الأكاديمي والإداري يمكن إبقاؤه رهينة التأجيل إلى أجل غير معروف.
ومع اقتراب جلسة الخميس الواقع في 21 أيار 2026 في القصر الجمهوري في بعبدا، يعود السؤال نفسه بقوة: هل سيُطرح ملف التفرّغ أخيراً بشكل واضح وحاسم؟ أم أنّ الملف سيُرحَّل مرة جديدة تحت عناوين باتت تُستخدم عند كل استحقاق، من تداعيات الحرب إلى أعباء النزوح والأزمات المالية، فيما يُطلب من الأستاذ الجامعي وحده أن يتحمّل دائماً كلفة الانهيار والتأجيل؟
المفارقة أنّ شريحة واسعة من المتعاقدين تعيش بدورها الظروف الاقتصادية والاجتماعية نفسها التي تُستخدم لتبرير المماطلة. فبين أساتذة تآكلت قدرتهم المعيشية، وآخرين يواجهون أوضاعاً اجتماعية قاسية، استمرّ هؤلاء في أداء واجباتهم الأكاديمية وسط انهيار غير مسبوق، ومن دون أي استقرار وظيفي أو ضمانات فعلية.
ورغم كل ما شاب آلية التفرّغ من ثغرات واعتراضات وعدم مساواة، ولا سيما اعتماد نظام الدفعات الممتدة على أربع سنوات، بما يحمله من تفاوت واضح بين الأساتذة أنفسهم، فإنّ المعنيين تعاملوا مع الملف بأقصى درجات الواقعية والمسؤولية، وقبلوا بتسويات مجحفة حفاظاً على الحد الأدنى من انتظام المسار الأكاديمي والمؤسساتي.
لكن ما لم يعد مقبولاً اليوم هو استمرار الغموض نفسه بعد إقرار الملف أساساً. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بحقوق وظيفية، بل باتت تمسّ أبسط مقومات الاستقرار المهني والإنساني. إذ لا يمكن لأستاذ جامعي أن يبقى أشهراً طويلة عاجزاً عن تحديد مساره، أو تنظيم ارتباطاته المهنية، أو اتخاذ قرارات تتعلق بمستقبله الأكاديمي والمعيشي، فيما مصيره لا يزال معلّقاً بقرار مؤجَّل منذ أشهر.
ولا بد من التذكير أيضاً بأنّ الأساتذة الذين أُدرجوا ضمن دفعات لاحقة لا يستفيدون أساساً من أي مفعول رجعي فعلي، سواء على مستوى التعويضات أو السنوات التي أمضوها في التدريس قبل التفرّغ، ما يعني أنّهم قبلوا عملياً بتنازلات كبيرة فقط لإنهاء سنوات طويلة من الهشاشة الوظيفية والانتظار المفتوح.
من هنا، فإنّ إدراج ملف التفرّغ على جدول أعمال جلسة 21 أيار لم يعد تفصيلاً إدارياً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة ملحّة تتصل مباشرة بمصداقية الدولة تجاه أساتذتها ومؤسساتها التعليمية. لأنّ أي استمرار في التسويف بعد كل هذه المدة لن يُقرأ إلا بوصفه استخفافاً بفئة أكاديمية حملت الجامعة في أصعب الظروف، واستمرت في أداء دورها رغم الانهيار المالي والمعيشي الذي أصاب البلاد.
إنّ المطلوب اليوم ليس وعوداً جديدة، ولا إعادة تدوير لعبارات التأجيل نفسها، بل قرار واضح وصريح ينهي هذا الاستنزاف المستمر، ويضع حداً لحالة القلق وعدم اليقين التي يعيشها مئات الأساتذة منذ أشهر.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate