الجمعة , يونيو 5 2026
أخبار عاجلة

حين يُختبر الوطن تصبح التربية مشروعاً وطنياً لحماية الإنسان

 

 

بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:

لا تُقاس قوة الأوطان فقط بقدرتها على حماية حدودها أو مواجهة الأخطار الخارجية، بل بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي في أوقات الأزمات. فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات قد تنجو من الحروب العسكرية، لكنها قد تدفع أثماناً باهظة إذا فشلت في مواجهة الانقسامات التي تتسلل إلى داخلها خلال تلك الحروب.

ولعل أخطر ما تخلّفه الحروب ليس ما تدمره في الجغرافيا أو الاقتصاد، بل ما تزرعه في النفوس من خوف وقلق وريبة وصور نمطية متبادلة. فعندما يعيش الناس تحت ضغط الأحداث الأمنية والسياسية، يصبحون أكثر حساسية تجاه الوقائع اليومية وأكثر قابلية للتأثر بالشائعات والخطابات الانفعالية. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي: حين تتحول الحوادث الفردية إلى أحكام جماعية، وحين يُنظر إلى الأفراد بوصفهم ممثلين لجماعاتهم لا مسؤولين عن أفعالهم الشخصية.

وفي مجتمع تعددي كالمجتمع اللبناني، تكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية. فلبنان لم يُبنَ على التشابه، بل على التنوع. ولم يكن التحدي يوماً في وجود الاختلافات، بل في القدرة على إدارتها ضمن إطار وطني جامع يحفظ الاستقرار ويمنع الانزلاق إلى الانقسامات. لذلك فإن أي خطاب يدفع باتجاه التعميم أو التخوين أو الإقصاء لا يهدد فئة بعينها، بل يهدد المجتمع بأسره ويضعف قدرة الدولة على مواجهة التحديات المحيطة بها.

ومن هنا يصبح التعامل مع الحوادث الفردية معياراً لمدى نضج المجتمع ووعيه. فالأخطاء الفردية قد تصدر من أي شخص وفي أي بيئة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، لكن تحويل هذه الأخطاء إلى اتهامات جماعية أو إلى مواقف عدائية تجاه فئات كاملة يفتح الباب أمام دورة لا تنتهي من الشكوك والتوترات وردود الفعل المتبادلة. وما تحتاجه المجتمعات في أوقات الأزمات ليس المزيد من الانفعال، بل المزيد من الحكمة والقدرة على التمييز بين الفرد والجماعة، وبين الخطأ والمسؤولية الجماعية.

وتزداد هذه الحاجة إلحاحاً في ظل الظروف التي يعيشها لبنان، سواء على مستوى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أو على مستوى تداعيات الحروب والصراعات الإقليمية وما ينتج عنها من تحديات وضغوط مختلفة، بما في ذلك ما تفرضه موجات النزوح والاحتكاكات الاجتماعية التي قد ترافقها أحياناً. فهذه الظروف تخلق بطبيعتها مناخاً خصباً للتوتر وسوء الفهم والاستقطاب، الأمر الذي يفرض على الجميع التحلي بدرجة أعلى من المسؤولية الوطنية والإنسانية. فالمشكلات الواقعية تحتاج إلى معالجات قانونية ومؤسساتية عادلة، لا إلى خطاب الكراهية أو التعميم أو تحميل جماعات كاملة مسؤولية أفعال أفراد.

وفي هذا السياق تبرز التربية بوصفها خط الدفاع الأول عن الوحدة الوطنية. فالمدرسة والجامعة ليستا مجرد مؤسستين لنقل المعرفة، بل فضاءان لصناعة الوعي وتشكيل الشخصية المدنية وترسيخ ثقافة الحوار والاحترام المتبادل. وعندما تضعف مناعة المجتمع الفكرية والأخلاقية، تصبح المؤسسات التربوية في موقع المسؤولية المباشرة عن حماية الأجيال من الانجرار وراء العصبيات والانفعالات والخطابات المتطرفة.

إن مسؤولية التربويين اليوم تتجاوز حدود الصفوف الدراسية. فهم مطالبون بتعزيز التفكير النقدي، وترسيخ قيم المواطنة، وتعليم الطلاب كيفية التعامل مع الاختلاف بوصفه حقيقة طبيعية في أي مجتمع ديمقراطي. كما أنهم مطالبون بتشجيع ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر ومواجهة الصور النمطية التي قد تتشكل بفعل الأحداث أو الخطابات المتشنجة أو المعلومات المضللة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ولعل المفهوم الذي يزداد أهمية في عالم اليوم هو مفهوم “المناعة المجتمعية”. فكما يحتاج الإنسان إلى جهاز مناعي يحميه من الأمراض، تحتاج المجتمعات إلى منظومة من القيم والمهارات والوعي تحميها من التفكك والانقسام عند التعرض للأزمات. ولا تُبنى هذه المناعة بالخطابات الموسمية أو بردود الفعل الآنية، بل تُبنى عبر التربية المتواصلة، وتعزيز التفكير النقدي، واحترام التنوع، والقدرة على التحقق من المعلومات، ومقاومة الشائعات وخطابات الكراهية. فالمجتمع الذي يمتلك مناعة مجتمعية قوية يستطيع استيعاب الصدمات والحوادث الفردية من دون أن تتحول إلى صراعات جماعية أو تهديدات للاستقرار الوطني.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في منع الاختلاف، فذلك أمر غير ممكن في أي مجتمع تعددي، بل في منع تحويل الاختلاف إلى عداوة. فالدول الحديثة لا تُقاس بمدى تجانس مواطنيها، وإنما بقدرتها على إدارة تنوعهم ضمن إطار قانوني ومؤسساتي يحفظ الحقوق ويصون الاستقرار. ومن هنا فإن التربية على المواطنة لا تعني إلغاء الخصوصيات والانتماءات المختلفة، بل تعني ترسيخ الانتماء إلى مساحة وطنية مشتركة تتسع للجميع وتحمي الجميع.

ولا يمكن فصل هذه المسؤولية عن دور الأسرة التي تبقى المؤسسة التربوية الأولى في حياة الإنسان. فالأطفال يكتسبون الكثير من مواقفهم تجاه الآخرين من البيئة التي ينشؤون فيها. وكلما نجحت الأسرة في غرس قيم الاحترام والانفتاح والمسؤولية، ازدادت قدرة المجتمع على إنتاج مواطنين قادرين على إدارة اختلافاتهم من دون عداء أو إقصاء.

وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتنتشر فيه المعلومات خلال ثوانٍ معدودة، لم يعد الخطر محصوراً بالأحداث نفسها، بل بالطريقة التي تُفسَّر بها تلك الأحداث وتُقدَّم للرأي العام. فكثير من الأزمات تبدأ بحادثة محدودة، لكنها تتضخم بفعل الشائعات والتأويلات والتعميمات المتسرعة. لذلك فإن التربية الإعلامية والرقمية أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من التربية الوطنية، لأنها تساعد الأفراد على التمييز بين الوقائع والانفعالات، وبين الحقائق والمعلومات المضللة، وتحول دون تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لإنتاج الانقسامات.

أما الإعلام، التقليدي والرقمي، فيتحمل بدوره مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة. فحرية التعبير تشكل ركناً أساسياً من أركان المجتمع الديمقراطي، لكنها لا تنفصل عن المسؤولية المهنية والأخلاقية. فالكلمة قد تساهم في تهدئة النفوس كما قد تساهم في تأجيجها، وقد تساعد على بناء الثقة كما قد تعمّق الانقسامات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطاب إعلامي متوازن يضع المصلحة الوطنية فوق الإثارة، ويعطي الأولوية للحقيقة على حساب الانفعال، ويحصّن المجال العام من خطاب الكراهية والتحريض والاستفزاز.

كما أن الدولة مطالبة بالقيام بدور يتجاوز إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية إلى إدارة الثقة الوطنية نفسها. فبناء الثقة بين المواطنين وتعزيز شعورهم بالمساواة والانتماء والشراكة يشكل أحد أهم عناصر الاستقرار الوطني. وكلما شعر المواطن بأن الدولة تمثله وتحمي حقوقه وتصون كرامته، تراجعت فرص الانقسام وتنامت فرص التماسك الاجتماعي.

كما تقع على عاتق السلطات العامة مسؤولية حماية المجال العام من كل ما يهدد السلم الأهلي، سواء عبر تطبيق القوانين التي تجرّم التحريض على العنف والكراهية، أو عبر تشجيع المبادرات الحوارية والتربوية والثقافية التي تعزز التواصل بين مختلف مكونات المجتمع. فالمجتمعات لا تُحمى فقط بالقوانين، بل أيضاً بالسياسات التي تبني الثقة وتمنع تراكم مشاعر التهميش والقلق والاستبعاد.

إن النقاشات السياسية، مهما بلغت حدتها، يجب أن تبقى ضمن إطار الاختلاف المشروع الذي تسمح به الديمقراطية. أما تحويلها إلى صراعات هوياتية أو طائفية أو مذهبية فهو مسار لا ينتج حلولاً بقدر ما ينتج مزيداً من القلق والانقسام. فالأفكار السياسية يمكن مناقشتها وتعديلها وتطويرها، أما الثقة الوطنية إذا تضررت فإن إعادة بنائها تتطلب سنوات طويلة وجهوداً كبيرة. وينطبق ذلك أيضاً على النقاشات المتعلقة بمستقبل النظام السياسي أو أي مشاريع إصلاحية مطروحة، إذ ينبغي أن تبقى في إطار الحوار الوطني المسؤول لا أن تتحول إلى مادة لتغذية المخاوف المتبادلة أو تعميق الشرخ بين اللبنانيين.

لقد أثبتت التجارب أن أحداً لا يستطيع إلغاء أحد، وأن المجتمعات المتنوعة لا تستقر إلا عندما تدرك مكوناتها أن مصيرها مشترك مهما تعددت توجهاتها واختلفت رؤاها. فالجغرافيا الواحدة والتاريخ المشترك والمستقبل الواحد تفرض على الجميع البحث عن مساحات اللقاء بدل توسيع مساحات التباعد.

وحين يُختبر الوطن، لا يكون الامتحان الحقيقي في قدرة أبنائه على الدفاع عن مواقفهم أو التعبير عن مخاوفهم، بل في قدرتهم على منع هذه المخاوف من التحول إلى انقسامات، وعلى تحويل الاختلاف إلى حوار، والتنوع إلى مصدر قوة، والأزمة إلى فرصة لإعادة اكتشاف معنى الشراكة الوطنية.

فالأوطان لا يحميها الخوف المتبادل، ولا تؤسس لمستقبلها عبر الانغلاق والشكوك، بل عبر الوعي والمسؤولية والشعور بالمصير المشترك. وفي بلد كلبنان، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية، تصبح التربية أكثر من قطاع من قطاعات الدولة؛ تصبح مشروعاً وطنياً لحماية الإنسان، وصون السلم الأهلي، وبناء جيل قادر على الاختلاف من دون انقسام، وعلى الحوار من دون خصومة، وعلى التمسك بوطنه من دون أن يتخلى عن انفتاحه على الآخر. فحين تنجح التربية في أداء هذا الدور، يصبح المجتمع أكثر قوة من الأزمات التي تواجهه، وأكثر قدرة على اجتياز الامتحانات الصعبة التي يفرضها التاريخ على  الأوطان.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

متعاقدو اللبنانية: لوضع ملف التفرغ على جدول أعمال مجلس الوزراء

    بوابة التربية: طالبت لجنة الأساتذة المتعاقدين بالساعة في الجامعة اللبنانية إدراج ملف التفرغ …