
بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:
في الأول من حزيران 2026، دعا رئيس المؤتمر اليهودي العالمي رونالد لاودر إلى إنشاء منظومة متكاملة لمواجهة ما وصفه بـ«حرب المعلومات»، داعياً إلى تسخير الأدوات الدبلوماسية والإعلامية والتكنولوجية بصورة دائمة ومنظمة، وإلى تعزيز حضور المؤسسات القادرة على التأثير في الرأي العام وصناعة القرار.
بعيداً عن السجال السياسي الذي قد يرافق مثل هذه التصريحات، فإن ما يستحق التوقف عنده هو طبيعة التحولات التي يشهدها العالم. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُختزل بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية التقليدية، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بالقدرة على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وإدارة البيانات، واستثمار البحث العلمي، وبناء شبكات النفوذ الأكاديمي والإعلامي والدبلوماسي.
لقد دخل العالم مرحلة جديدة من التنافس بين الدول. مرحلة لم تعد فيها الجامعات مجرد مؤسسات تعليمية، ولا مراكز الأبحاث مجرد فضاءات أكاديمية، ولا التكنولوجيا مجرد قطاع اقتصادي من بين قطاعات أخرى. فهذه العناصر مجتمعة أصبحت جزءاً من مفهوم القوة الوطنية الشاملة، وأحد أبرز العوامل المؤثرة في مكانة الدول وقدرتها على حماية مصالحها وتعزيز حضورها في النظام الدولي.
ومن هنا تبرز الأسئلة التي يفترض أن تشغل صانعي القرار في لبنان.
ففي الوقت الذي تتنافس فيه الدول على اجتذاب الباحثين، وتمويل الابتكار، وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز حضورها العلمي والدبلوماسي، لا يزال لبنان يفتقد إلى سياسة وطنية متكاملة في مجالات البحث العلمي والتكنولوجيا المتقدمة والاقتصاد المعرفي.
ولا يتعلق الأمر بنقص في الكفاءات أو المواهب. فالحضور اللبناني في الجامعات العالمية ومراكز الأبحاث والشركات التكنولوجية والمالية والطبية المتقدمة يؤكد امتلاك لبنان لرأسمال بشري يتمتع بمستويات عالية من التأهيل والخبرة. غير أن هذا المورد الاستراتيجي لا يزال يعمل، في جزء كبير منه، خارج إطار رؤية وطنية قادرة على تحويله إلى قوة تنموية ومؤسساتية مستدامة.
في العقود الماضية، استهلكت الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية جانباً كبيراً من الاهتمام الوطني، فيما كان العالم ينتقل تدريجياً إلى اقتصاد المعرفة. وخلال هذه المرحلة، شهدت دول عديدة تحولات نوعية في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي والابتكار، وأدركت أن الاستثمار في المعرفة لم يعد خياراً تنموياً فحسب، بل أصبح جزءاً من أمنها القومي وموقعها في المنافسة الدولية.
أما في لبنان، فلا تزال العلاقة بين الجامعة والاقتصاد الوطني ضعيفة، ولا يزال البحث العلمي يعاني من محدودية التمويل، فيما تواجه المؤسسات الأكاديمية والبحثية تحديات متزايدة للحفاظ على قدراتها البشرية والتقنية. كما أن غياب التخطيط طويل الأمد يجعل معظم المبادرات العلمية والتكنولوجية رهينة الجهود الفردية أو المبادرات المحدودة، بدلاً من أن تكون جزءاً من سياسة دولة واضحة المعالم.
وفي الوقت الذي أصبحت فيه الدبلوماسية الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على المعرفة والخبرات التقنية والبيانات والتواصل الرقمي، لا يزال لبنان بعيداً عن الاستفادة الكاملة من الإمكانات التي تتيحها شبكاته الأكاديمية والاقتصادية والثقافية المنتشرة حول العالم. كما لا تزال قدراته في مجالات الدبلوماسية العلمية والدبلوماسية الرقمية محدودة مقارنة بما تفرضه التحولات الدولية الراهنة.
وتتجاوز المسؤولية هنا حدود مؤسسة واحدة أو وزارة واحدة. فوزارة التربية والتعليم العالي مطالبة بإطلاق عملية تحديث حقيقية للمناهج التعليمية بما يواكب التحولات التكنولوجية العالمية ويعزز مهارات التفكير النقدي والابتكار والبحث العلمي. والجامعات مطالبة بتعزيز دورها كمراكز لإنتاج المعرفة لا كمؤسسات مانحة للشهادات فحسب.
كما أن وزارة الاتصالات معنية بتطوير البنية الرقمية الوطنية وتهيئة البيئة اللازمة لنمو القطاعات التكنولوجية الحديثة، فيما تقع على عاتق وزارة الاقتصاد مسؤولية دعم الاقتصاد المعرفي وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال. أما السلطة التشريعية، فهي مطالبة بمراجعة وتحديث الإطار القانوني الناظم للتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد التكنولوجي، بما يواكب التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم.
إن امتلاك رؤية وطنية للمنافسة في القرن الحادي والعشرين لم يعد ترفاً سياسياً أو فكرياً. فالدول التي تسعى إلى تعزيز حضورها ومصالحها واستقرارها تعمل اليوم على بناء منظومات متكاملة تجمع بين التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والدبلوماسية والاقتصاد والإدارة الحديثة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على لبنان ليس ما الذي تفعله الدول الأخرى، بل ما الذي نفعله نحن.
أين الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي؟
أين خطة دعم البحث العلمي؟
أين مشروع تحديث المناهج التعليمية؟
أين السياسات الهادفة إلى ربط الجامعات بالاقتصاد الوطني؟
وأين الرؤية التي تضع المعرفة والابتكار في صلب مفهوم التنمية والسيادة والقدرة على المنافسة؟
هذه الأسئلة لم تعد شأناً أكاديمياً يخص الجامعات والباحثين وحدهم، بل أصبحت جزءاً من النقاش الوطني حول مستقبل لبنان وموقعه في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
ففي زمن تتحول فيه المعرفة إلى قوة، لا يكفي امتلاك الكفاءات، بل يصبح التحدي الحقيقي في القدرة على تنظيمها وتوظيفها ضمن مشروع وطني واضح الأهداف وقادر على استشراف المستقبل .
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate