
بوابة التربية: في ظلّ الظروف الأمنية الدقيقة التي يمرّ بها لبنان، وما يرافقها من ضغط اجتماعي ونفسي وثقل النزوح والقلق اليومي الذي يعيشه الطلاب والأهالي والأساتذة، يزداد الاقتناع يومًا بعد يوم بأنّ خيار إجراء ثلاث دورات للامتحانات الرسمية لا ينسجم مع الواقع الاستثنائي الذي يمرّ به البلد، مهما كانت النوايا إيجابية والجهود المبذولة كبيرة.
ولا يمكن إنكار أنّ معالي وزيرة التربية الدكتورة ريما كرامي بذلت، وما زالت تبذل، جهودًا واضحة لمعالجة هذا الملف الشائك، وهي مشكورة على حرصها على مستقبل الطلاب وعلى محاولتها حماية الشهادة الرسمية والحفاظ على قيمتها الأكاديمية والوطنية، كما أنّ التقليصات التي أقرتها بالتعاون مع المركز التربوي والموظفين المعنيين شكّلت خطوة إيجابية هدفت إلى التخفيف من الأعباء عن الطلاب.
كذلك، لا بد من توجيه التحية إلى الموظفين والإداريين والأساتذة وكل العاملين في وزارة التربية الذين يبذلون مجهودًا جبارًا في ظروف بالغة الصعوبة من أجل إنقاذ العام الدراسي وتأمين مستقبل الطلاب، رغم الإمكانات المحدودة والضغوط الهائلة التي تواجه القطاع التربوي.
لكن، وبعيدًا عن النوايا الحسنة، فإنّ خيار الدورات الثلاث يبقى خيارًا غير مناسب في ظل الواقع الأمني الحالي، لأنّ البلاد لا تزال تعيش حالة من التوتر وعدم الاستقرار، فيما تتحدث التقارير الأمنية عن مخاوف جدّية لا يمكن تجاهلها، الأمر الذي يجعل من الصعب ضمان الاستقرار النفسي واللوجستي المطلوب لإجراء استحقاق وطني بهذا الحجم على ثلاث مراحل متتالية.
ومن هنا، برز طرح واضح بدأ يتحوّل إلى حالة إجماع وطني وتربوي وسياسي، وهو اعتماد دورة واحدة تُجرى في منتصف شهر تموز، مع الأخذ بالتقليصات التي أعلنتها الوزارة (المركز التربوي)، بما يراعي مصلحة الطلاب ويحفظ الحد الأدنى من العدالة التربوية.
هذا الطرح لم يعد مجرد رأي عابر، بل أصبح الخيار الذي تبنّته لجنة التربية النيابية، التي تُشكر على جهودها وحرصها وغيرتها على الطلاب ومستقبلهم، كما أنّه لاقى حسن استماع وتفهّم من فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، في إشارة واضحة إلى أهمية الوصول إلى حل وطني جامع يخفف الاحتقان القائم ويعيد الطمأنينة إلى الطلاب والأهالي.
إنّ اعتماد دورة واحدة في منتصف تموز لا يُعتبر تراجعًا من وزيرة التربية، بل على العكس تمامًا، يمكن أن يشكّل إنجازًا وطنيًا وتربويًا لها، لأنها بذلك تكون قد نجحت في جمع اللبنانيين حول صيغة واحدة عادلة ومتوازنة، وأعادت توحيد الطلاب تحت سقف العدالة التربوية بدل تكريس الانقسام والجدل القائم.
كما أنّ هذا الخيار من شأنه أن يدفع الجميع إلى الوقوف خلف الوزيرة ودعم إجراء الامتحانات الرسمية بدل استمرار الانقسام الحاصل اليوم، لأنه يحظى بغطاء وطني واسع ويأخذ بعين الاعتبار الظروف الأمنية والنفسية والاجتماعية التي لا يمكن القفز فوقها أو التعامل معها بخفة.
فالمرحلة الحالية لا تحتاج إلى تحديات إضافية، بل إلى قرارات واقعية وعادلة تحمي الطلاب وتحفظ هيبة الشهادة الرسمية في آن واحد، وتؤكد أنّ الدولة قادرة على الإصغاء إلى الناس والتفاعل مع هواجسهم بدل الدخول في مواجهات غير ضرورية مع الطلاب والأهالي.
*تربية برس
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate