الأربعاء , مايو 20 2026

الامتحانات الرسمية في زمن الحرب: أزمة قرار لا أزمة إدارة

 

 

بوابة التربية- كتب د. حسين محمد سعد*:

 

قبل أيام، انعقد اجتماع تشاوري في لجنة التربية النيابية لبحث مصير الامتحانات الرسمية في لبنان للعام الدراسي 2025-2026، في ظل حرب مفتوحة، ونزوح متواصل، وتباين صارخ في تغطية المناهج بين منطقة وأخرى. كان نقاشاً حيوياً في توقيت دقيق ومصيري لأبنائنا الطلاب.

لا يمكن لأحد أن ينكر الجهود الحثيثة التي تبذلها معالي وزيرة التربية الدكتورة ريما كرامي، وكادر الوزارة والمركز التربوي، في ظروف استثنائية قاسية لا يحسدون عليها. وقرار إلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة (البريفيه) كان خطوة شجاعة ومطلوبة، وهي تستحق الشكر عليها.

لكن باسم الأمانة العلمية والتربوية، وباسم العدالة التي يجب أن تبقى أساس أي استحقاق وطني، أطرح تساؤلاً موضوعياً: في بلد يعيش حرباً وتهجيراً، وفجوة تعليمية هائلة بين مدرسة وأخرى، هل يُعقل أن نصرَّ على إجراء ثلاث دورات امتحانية للبكالوريا، ونرفض بشكل قاطع المواد الاختيارية، رغم أن فرنسا – الدولة الأم للنموذج التربوي اللبناني – ألغت امتحاناتها في المنطقة واعتمدت على المعدلات المدرسية؟

إن خيار ثلاث دورات لا يوحد الطلاب بل يقسمهم، ولا يحقق العدالة بل يكرس الغبن لمناطق بأكملها. والمواد الاختيارية ليست ترفاً تربوياً، بل ضرورة علمية في زمن الحرب. هذا ما سأفصله في السطور الآتية.

أولاً: لماذا يجب تعديل آلية الدورات إلى دورة وطنية واحدة عادلة؟

تفترض خطة الوزارة إمكانية تنظيم امتحانات وطنية موحدة في ثلاث فترات زمنية مختلفة (أواخر حزيران، أواخر تموز، وأوائل أيلول). لكن الواقع الأمني واللوجستي يكذب هذا الافتراض:

أ‌-      الطلاب ليسوا سواسية: الطلاب في مناطق مستقرة نسبياً (كبيروت وجبل لبنان) سيتمكنون من الاستعداد والالتحاق بجميع الدورات، بينما طلاب الجنوب والبقاع والضاحية الذين يعيشون قصفاً ونزوحاً إما سيُحرمون من أي دورة، أو سيُجبرون على التقدم في ظروف كارثية. وهذا ما عبّر عنه النائب إدكار طرابلسي بدقة: “هكذا نقسم التلامذة إلى فئتين: ناس بسمنة وناس بزيت”.

ب‌-    الضغط النفسي: ثلاث دورات تعني ثلاث فترات من القلق والتوتر والاستعداد، في عام دراسي أصلاً منهار نفسياً بسبب الحرب. التربية في الأزمات تدعو إلى التبسيط والتخفيف، وليس إلى مضاعفة المحطات الامتحانية.

أما البديل العلمي فهو اعتماد دورة واحدة وطنية في منتصف تموز (كما طالب اتحاد لجان الأهل ولجنة التربية)، مع إمكانية دورة استثنائية ثانية محدودة جداً لمن حال دونهم الظروف الأمنية القاهرة، مع شرط الإثبات.

ثانياً: لماذا إدخال المواد الاختيارية هو الحل الوحيد لإنصاف الطلاب؟

رفض الوزيرة للمواد الاختيارية (“لن يكون هناك أي مواد اختيارية”) يتناقض مع الوقائع التعليمية على الأرض. فالحرب أدت إلى تباين هائل فيما غطته المدارس من المناهج:

  • بعض المدارس أكملت 80-100% من المنهج (في المناطق الآمنة أو التي اعتمدت تعليماً عن بُعد قوياً).
  • بعض المدارس لم تغطِ سوى 40-60% (في مناطق القصف والنزوح الطويل).
  • مناطق بأكملها فقدت شهوراً كاملة من التعليم.

في ظل هذا التباين، فإن الامتحان الموحد في كل المواد الإجبارية يظل ظالماً للطلاب الذين لم يتعلموا أجزاء كبيرة من المنهج. المواد الاختيارية (حيث يختار الطالب الأسئلة من الوحدات التي أتمتها مدرسته فعلاً) هي الآلية التربوية العادلة الوحيدة المعروفة في الأزمات، وهي ما يطالب به الطلاب والأهل حتى عبر الاعتصام السلمي.

كما ان حجة “إضعاف الشهادة”  فلا يوجد دليل علمي على أن المواد الاختيارية تقلل من قيمة البكالوريا؛ فالنماذج العالمية (IB، البكالوريا الفرنسية، البريطانية) تقوم على الاختيارية وتُعترف بها عالمياً. بل العكس، الامتحان الإجباري الموحد في ظل تعليم متفاوت هو الذي يضعف السمعة، لأنه يشجع على “التلقين والحفظ للنجاح” بدلاً من قياس الفهم الحقيقي.

ثالثاً: تجاهل النموذج الفرنسي والتجارب الناجحة في الإقليم

فرنسا – وهي الدولة التي يتبع نظامها التربوي لبنان تقليدياً – ألغت امتحانات البريفيه والبكالوريا في لبنان والمنطقة بالكامل لهذا العام، واعتمدت على المعدلات المدرسية، بسبب الظروف الأمنية. و “عسى دولتنا تقتدي به”. لكن الوزيرة اختارت تجاهل هذا النموذج، بحجة “الحفاظ على سمعة الشهادة”.

هذا يشكل إشكالية علمية:

أ‌-      إن السمعة لا تُبنى بالإكراه: كما ان فرض امتحانات في مناطق تقصف يومياً لا يحمي السمعة، بل يحول الشهادة إلى “شهادة صمود” لا “شهادة كفاءة أكاديمية”.

ب‌-    كما ان المعدلات المدرسية ليست “إفادة”  فالنموذج الفرنسي لم يعطِ “إفادات” بل اعتمد تقييماً مدرسياً منظماً ومعتمداً من الوزارة بعد التحقق من جودته. وهذا كان ممكناً في لبنان مع تعزيز الرقابة على المدارس في امتحانات نهاية العام.

أما البديل العلمي الذي تجاهلته الوزيرة: اعتماد دورة واحدة في تموز مع:

  1. مواد إجبارية مخفضة إلى أقصى حد (فقط اللغة العربية، لغة أجنبية، مادة تخصص واحد).
  2. مواد اختيارية لبقية المواد، بحسب ما غطته المدرسة.
  3. أو نظام مختلط: 50% من العلامة من المعدل المدرسي (الثلاث سنوات الثانوية) و50% من امتحان مركزي في مواد محدودة جداً.

رابعاً: إلغاء البريفيه خطوة إيجابية لكن غير كافية وغير مرتبطة برؤية إصلاحية

لا شك أن إلغاء امتحانات البريفيه كان ضرورياً ومطلوباً منذ سنوات، فقد أصبحت هذه الشهادة مجرد “أداة ضغط نفسي بلا قيمة فعلية”. لكن الوزيرة قدمت هذا الإلغاء على أنه “انجاز” وطلبت من الطلاب “الانبساط”، بينما في الحقيقة هو إجراء منفصل عن مشروع إصلاحي شامل.

  1. غياب الرؤية الطويلة الأمد: إلغاء البريفيه لهذا العام فقط (بداعي الحرب) دون إلغائه نهائياً وإصلاح المناهج المتقادمة يجعل القرار مؤقتاً ومزاجياً. ما يطلبه التربويون هو استبدال البريفيه بنظام تقييم مستمر حقيقي وتطوير مناهج القرن الحادي والعشرين، وليس مجرد شطب امتحان.
  2. تناقض داخلي: كيف تُلغي امتحاناً متوسطاً بحجة تخفيف الضغط، وتُصر في الوقت نفسه على ثلاث دورات للبكالوريا في ظل نفس الحرب؟

خامساً: غياب الشفافية والإحصاءات المعلنة

ضرورة “بنشر الإحصاءات التي أجرتها الوزارة حول إنجاز المناهج”. وهذا مطلب علمي أساسي. فالقرارات التربوية في الأزمات يجب أن تستند إلى بيانات ميدانية دقيقة:

  1. ما هي نسبة المدارس التي أنهت 70% فأكثر من المنهج بحسب المنطقة؟
  2. ما هو عدد الطلاب النازحين داخلياً وما هي أوضاعهم التعليمية؟
  3. ما هي النسبة الفعلية للتعليم الحضوري مقابل أونلاين في كل قضاء؟

بدون هذه البيانات، فإن أي قرار (ثلاث دورات، رفض الاختيارية) يبدو متعسفاً أو مستنداً إلى استبيانات غير ممثلة.

التوصيات العلمية

بناءً على ما تقدم، أقترح على لجنة التربية النيابية ووزيرة التربية تبني التوصيات التالية:

  1. اعتماد دورة واحدة وطنية في منتصف تموز (بدلاً من ثلاث دورات)، مع دورة استثنائية ثانية ضيقة جداً لمن حال دونهم الحرب مع إثباتات رسمية.
  2. تبني المواد الاختيارية في جميع المواد غير الأساسية، بحسب ما أتمته كل مدرسة، على أن تعتمد أسئلة الامتحان على الوحدات المغطاة فعلاً.
  3. نشر الإحصاءات الكاملة لإنجاز المناهج بحسب المنطقة والمدرسة لضمان الشفافية والمصداقية.
  4. إنشاء صندوق طوارئ لنقل الطلاب من مناطق القصف إلى مراكز امتحان آمنة على نفقة الوزارة، مع توفير تعويضات نفسية ومادية للطلاب المتضررين.

وأخيرا، إن حفظ سمعة الشهادة اللبنانية لا يكون بفرضها تحت القصف، بل بجعلها عادلة وتعكس حقيقة تعلّم الطالب في واحدة من أصعب السنوات في تاريخ لبنان الحديث.

إن خيارات الوزيرة الحالية، رغم حسن نيتها، تؤدي عملياً إلى ظلم مضاعف للطلاب في المناطق الأكثر تضرراً، وإلى تعزيز الفجوات التربوية بدلاً من ردْمها. ونحن على يقين أنها قادرة على الاستماع إلى النقد البنّاء والتراجع عن بعض هذه الخيارات لصالح حل وطني جامع، يحظى بدعم اللجنة النيابية ورئيس الجمهورية والأهالي والطلاب.

الغاية واحدة: مصلحة الطالب اللبناني وحماية مستقبله، وليس تعريضه لمزيد من الظلم تحت قصف الحرب.

*نقابي وباحث تربوي

 

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

لجنة التربية تعرض ملاحظاتها حول الامتحانات الرسمية لرئيس الجمهورية

    بوابة التربية: زار رئيس لجنة التربية النيابية النائب حسن مراد والنائبان بلال الحشيمي …