
بوابة التربية- كتبت الهام فرج*:
عندما نكتب عن الامتحانات الرسمية ونربطها باحتمال الموت على الطرقات أو في مراكز الامتحانات، يبدو المشهد شديد القسوة والدرامية. وقد عبّرنا منذ البداية عن موقفنا ورؤيتنا للواقع الاستثنائي الذي يعيشه طلابنا، لكن استشهاد تيودوسيا وشقيقها طوني ووالديهما الدكتور جيمس كرم أثناء عودتهم إلى منزلهم بعد انتهاء تيودوسيا من تقديم امتحاناتها الجامعية، أعاد طرح السؤال نفسه بإلحاح أكبر:
أيهما أكثر أولوية: الإنسان أم الامتحانات الرسمية؟
إذا كان السؤال يُطرح من منظور أخلاقي وإنساني، فإن الإجابة واضحة: الإنسان هو الأولوية دائمًا. فالأنظمة التربوية والامتحانات والشهادات وُجدت أساسًا لخدمة الإنسان وتنمية قدراته وصناعة مستقبله، لا ليصبح الإنسان وسيلة في خدمتها.
أما من المنظور التربوي والإداري، فالمسألة لا ينبغي أن تُختزل في مفاضلة بين الإنسان والامتحانات، بل في البحث عن التوازن بين حق الطالب في شهادة موثوقة ومعترف بها، وحقه في ظروف إنسانية عادلة وآمنة. ولهذا تلجأ الأنظمة التعليمية في أوقات الأزمات والكوارث إلى اعتماد إجراءات استثنائية أو بدائل تقييمية تراعي الواقع الذي يعيشه المتعلمون وتحفظ حقوقهم، ومنها مثلاً الغاء وزارة التربية في فرنسا امتحانات البكالوريا الفرنسية في دول منطقة الشرق الأوسط.
وفي السياق اللبناني، عندما تتعارض الإجراءات التربوية مع سلامة الإنسان وكرامته وظروفه الاستثنائية، تبقى الأولوية للإنسان. فالامتحانات وسيلة تربوية مهمة، لكنها ليست غاية بحد ذاتها، بينما الإنسان هو الغاية التي وُجدت التربية لخدمتها.
وتنسجم هذه الرؤية مع المبادئ التربوية الحديثة التي تضع مصلحة المتعلم وسلامته النفسية والاجتماعية والجسدية في قلب العملية التعليمية. ولا سيما في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي وتداعياته على مناطق واسعة من لبنان، حيث لم تعد العدالة التربوية مرتبطة فقط بتنظيم الامتحانات، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالاعتراف بحجم المعاناة التي يعيشها الطلاب وانعكاساتها المباشرة على تحصيلهم العلمي واستقرارهم النفسي.
فبين طلابنا من فقد منزله، ومن فقد أحد أفراد أسرته أو أصدقاءه أو جيرانه، ومن عاش أشهرًا طويلة في النزوح والقلق وعدم الاستقرار، ومن اضطر إلى متابعة دراسته في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة التعليمية الطبيعية.
إن موقفنا لا ينطلق من الحرص على نسب النجاح أو النتائج أو ترتيب الأوائل والتقديرات التي اعتدنا تحقيقها، بل من قناعة تربوية وإنسانية راسخة بأن الإنسان يجب أن يبقى في صلب أي قرار تربوي، وأن تكون مصلحته وسلامته المعيار الأول في رسم السياسات التعليمية واتخاذ القرارات المصيرية.
وانطلاقًا من ذلك، واستنادًا إلى مطالعة المفتشة العامة التربوية الدكتورة فاتن جمعة، نرى أن المطلوب اليوم قرار تربوي جريء يراعي الواقع الاستثنائي والدرامي الذي يعيشه الطلاب، ويتمثل في إلغاء الامتحانات الرسمية لهذا العام الدراسي واعتماد بدائل إدارية عادلة تحفظ حقوق المتعلمين وتراعي ظروفهم الإنسانية.
فالامتحانات يمكن تعويضها أو استبدالها بآليات أخرى، أما الإنسان فلا بديل عنه. والنجاح الحقيقي لأي نظام تربوي لا يُقاس بإنجاز الامتحانات ومدى تنظيمها، بل بقدرته على حماية الإنسان وصون كرامته ومستقبله.
*مديرة ثانوية البازورية الرسمية
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate