الخميس , يونيو 11 2026

الامتحانات الرسمية بين مبدأ العدالة التربوية وإشكالية تعدد الدورات

 

 

بوابة التربية- كتبت نادين خزعل:

 

تُعدّ الامتحانات الرسمية للصف الثالث الثانوي إحدى أهم المحطات في المسار التعليمي للطلاب، لأنها تشكل أداة قياس وطنية موحدة يُفترض أن تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة بين جميع المتقدمين. ومن هذا المنطلق، فإن أي آلية استثنائية تُعتمد لإجراء هذه الامتحانات يجب أن تُخضع لمعايير تربوية صارمة تضمن المساواة بين الطلاب وتحافظ على صدقية الشهادة الرسمية.

وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان، طُرحت فكرة إجراء الامتحانات عبر ثلاث دورات متتالية، في محاولة لاستيعاب الفوارق الأمنية واللوجستية التي يعيشها الطلاب في مختلف المناطق. إلا أن هذه الآلية، رغم ما تحمله من نوايا تسهيلية، تثير العديد من الإشكاليات التربوية الجوهرية.

أول هذه الإشكاليات يتعلق بمسألة التفوق والترتيب العام للطلاب. فإذا أُجريت الامتحانات على دورتين  مختلفتين، كيف سيتم اعتماد أصحاب المراتب الأولى على مستوى لبنان؟ هل سيتم احتساب النتائج بين طلاب الدورة الأولى والثانية  وكأنهم خضعوا للامتحان نفسه؟ أم سيتم اعتماد معيار آخر؟ إن غياب الإجابة الواضحة عن هذا السؤال يضع مبدأ المنافسة العادلة موضع شك، ويجعل المقارنة بين النتائج أمراً بالغ الصعوبة.

أما الإشكالية الثانية فتتمثل في اختلاف الأسئلة بين دورة وأخرى. فمن المستحيل عملياً اعتماد الأسئلة نفسها حفاظاً على سرية الامتحانات، ما يعني أن كل مجموعة من الطلاب ستخضع لاختبار مختلف من حيث الصياغة ومستوى الصعوبة وطبيعة الأسئلة. وحتى مع بذل جهود كبيرة لتحقيق التوازن، تبقى استحالة ضمان التطابق الكامل بين الامتحانات أمراً معروفاً في القياس التربوي، الأمر الذي ينعكس مباشرة على مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص.

وتزداد المخاوف عندما نأخذ بعين الاعتبار أن الطلاب الذين سيتقدمون إلى الدورات اللاحقة سيحصلون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على معلومات حول طبيعة الامتحانات السابقة، وأنماط الأسئلة، والمحاور التي تم التركيز عليها. وهذا يمنحهم أفضلية لا تتوافر لمن تقدموا في الدورة الأولى، ويحوّل الامتحان من فرصة متساوية للجميع إلى تجارب متفاوتة في ظروفها ومعطياتها.

كما يطرح تعدد الدورات تساؤلات إضافية حول سرية التصحيح وحياديته. فمع تقلص أعداد المتقدمين في بعض الدورات وارتباطها بظروف جغرافية وأمنية محددة، قد تصبح خلفيات الطلاب معروفة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء كانوا من النازحين أو من المناطق المستقرة نسبياً. وفي حين لا يمكن التشكيك بنزاهة المعنيين بالتصحيح، فإن الأنظمة التربوية الحديثة تقوم على إزالة أي احتمال قد يمسّ بمبدأ المساواة أو يفتح الباب أمام التشكيك بالنتائج.

إن القضية الأساسية لا تكمن في رفض مراعاة الظروف الاستثنائية للطلاب، بل في ضرورة إيجاد حلول تحقق التوازن بين البعد الإنساني والبعد التربوي. فالشهادة الرسمية هي استحقاق وطني يجب أن يحافظ على معايير موحدة وواضحة لجميع المتقدمين. لذلك، فإن أي آلية استثنائية ينبغي أن تُبنى على أسس تربوية دقيقة تضمن العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، لأن قيمة الشهادة الرسمية ومصداقيتها ترتبط أولاً وأخيراً بثقة الطلاب والأهالي والرأي العام بعدالة الامتحان ونتائجه.

هذا الطرح لا ينطلق من موقف سياسي أو مناطقي أو شعبوي، بل من مبدأ تربوي بحت مفاده أن العدالة في الامتحانات لا تعني فقط إتاحة الفرصة للجميع للتقدم إليها، بل أيضاً ضمان خضوع الجميع للشروط والمعايير نفسها، بما يحفظ صدقية الشهادة الرسمية ويصون حقوق الطلاب على حد سواء.

وفي حال استحالة القدرة على تأمين مقومات العدالة مع استمرار المخاطر الأمنية، يصبح إلغاء الامتحانات أمرًا لا بد منه انطلاقًا من أسباب معللة وموجبة تربوية بحتة.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

تعميم لوزارة التربية حول الإمتحانات الجامعية الخاصة

    بوابة التربية: أصدرت وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي تعميما حول تنظيم …