
بوابة التربية- كتب د. مصطفى راغب*:
لم يعد ملف تفرّغ الأساتذة المتعاقدين بالساعة في الجامعة اللبنانية قضية مطلبية تخص فئة من الأساتذة، ولا يجوز اختزاله بمناقشة الكلفة المالية أو بعدد الأسماء المطروحة للتفرغ. فجوهر القضية يتعلق بتطبيق القانون وبطبيعة الجامعة التي يريدها لبنان: جامعة وطنية تقوم على هيئة تعليمية مستقرة ومتفرغة للتعليم والبحث العلمي، أم مؤسسة تعتمد بصورة متزايدة على التعاقد بالساعة لتغطية حاجات أكاديمية دائمة؟
العودة إلى القانون تحسم جانبًا أساسيًا من هذا النقاش. فالمادة الخامسة من القانون رقم 6/70 تاريخ 23 شباط 1970 وضعت قاعدة واضحة لتنظيم عمل الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية، إذ نصت على ألا تنخفض نسبة ساعات التدريس الموكلة إلى أفراد الهيئة التعليمية المتفرغين، من متعاقدين وداخلين في الملاك، عن 80% من مجموع ساعات التدريس المقررة في مختلف فروع الجامعة.
وهنا تكمن نقطة بالغة الأهمية: القانون لا يتحدث عن أن 80% من عدد الأساتذة يجب أن يكونوا متفرغين، بل عن أن 80% على الأقل من ساعات التدريس يجب أن يتولاها أفراد الهيئة التعليمية المتفرغون والداخلون في الملاك. وهذا يعني أن المشترع لم يعتبر التعاقد بالساعة القاعدة التي تقوم عليها الجامعة، بل أراد أن يكون العبء الأساسي للعملية التعليمية بعهدة جهاز أكاديمي مستقر، وأن تبقى الاستعانة بالتعاقد بالساعة ضمن حدود الحاجة المكملة.
من هنا يصبح السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم: ما هي النسبة الفعلية من مجموع ساعات التدريس في الجامعة اللبنانية التي يغطيها أفراد الملاك والمتفرغون؟ وهل تحترم الجامعة حاليًا نسبة الـ80% التي نص عليها القانون؟ وإذا كانت النسبة أدنى من ذلك، فما عدد الأساتذة الذين يجب تفريغهم لإعادة التوازن القانوني والأكاديمي إلى الجامعة؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من النقاش المجرد حول ما إذا كان عدد طالبي التفرغ كبيرًا أم صغيرًا، لأن العدد لا يمكن تقييمه بمعزل عن حجم الجامعة، وعدد طلابها، ومجموع ساعات التدريس، وحالات التقاعد والشغور، والاختصاصات والحاجات الفعلية في الكليات والفروع.
واللافت أن الحاجة إلى الأساتذة المطروحة أسماؤهم للتفرغ لم تعد مجرد مطالبة صادرة عنهم. فقد أكدت وزارة التربية والتعليم العالي رسميًا أن الأساتذة المشمولين بالملف يلبّون حاجة تعليمية فعلية، وأن متوسط النصاب في اللائحة بلغ 276.2 ساعة سنويًا، كما أكدت الوزيرة بالتوافق مع رئاسة الجامعة أن الجامعة اللبنانية بحاجة إلى الأساتذة المستوفين للشروط، ولا سيما أن عددًا كبيرًا منهم يتعاقد معها منذ سنوات وبأنصبة مرتفعة.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: عندما يحتاج أحد فروع الجامعة إلى أستاذ سنة بعد سنة، ويسند إليه مئات الساعات، وتستمر الحاجة إلى اختصاصه، يصبح من الصعب اعتبار عمله حاجة مؤقتة. نحن أمام حاجة أكاديمية دائمة تتم تغطيتها بعلاقة تعاقدية مؤقتة. وهذا تحديدًا ما يجعل انتظام التفرغ ضرورة مؤسساتية وليس امتيازًا شخصيًا.
فالتفرغ ليس مكافأة تمنح للأستاذ لأنه أمضى عددًا معينًا من السنوات في الجامعة، كما أنه ليس مجرد تحسين لوضعه المادي والاجتماعي. التفرغ هو وسيلة لبناء الهيئة الأكاديمية التي تحتاج إليها الجامعة. فوظيفة الأستاذ الجامعي لا تنتهي عند دخول قاعة التدريس والخروج منها. الجامعة تحتاج إلى البحث العلمي، والإشراف على الرسائل والأطروحات، وتطوير المناهج والبرامج، والمشاركة في اللجان العلمية، وضمان الجودة والاعتماد، والتوجيه الأكاديمي، وإدارة المختبرات والمشاريع البحثية. وكل ذلك يحتاج إلى أستاذ مرتبط بالجامعة ارتباطًا مستقرًا وقادرًا على تكريس جزء أساسي من نشاطه العلمي والمهني لها.
أما من الناحية المالية، فمن الطبيعي أن تدرس الحكومة كلفة التفرغ، لكن يجب أن تكون المقارنة عادلة. فالأساتذة المطروح تفريغهم ليسوا موظفين جددًا ستنشأ الحاجة إليهم بعد صدور القرار. إنهم موجودون أصلًا، والجامعة تدفع لهم مقابل مئات آلاف الساعات التي يقومون بتدريسها سنويًا. لذلك فإن الكلفة الحقيقية التي ينبغي مناقشتها ليست كامل كلفة الأستاذ المتفرغ وكأن البديل هو عدم دفع شيء، بل الفارق بين كلفة النظام الحالي القائم على التعاقد الواسع بالساعة وبين كلفة بناء هيئة تعليمية مستقرة، مع احتساب ما تحصل عليه الجامعة مقابل ذلك من بحث علمي وإشراف واستقرار أكاديمي وتطوير مؤسساتي.
كما أن تراكم أعداد طالبي التفرغ لا يمكن تحميل مسؤوليته للأساتذة. عندما لا يُنجز التفرغ بصورة دورية لسنوات طويلة، بينما تستمر الجامعة في التعاقد مع أساتذة جدد وتتقاعد أعداد من أفراد هيئتها التعليمية، فمن الطبيعي أن يتراكم الملف. وبالتالي فإن معالجة هذا التراكم لا تكون بتقليص الحاجة على الورق، بل بإنجاز التفرغ ووضع آلية دورية تمنع تكرار المشكلة مستقبلًا.
لذلك فإن أكثر ما تحتاج إليه الجامعة اليوم هو الشفافية بالأرقام. المطلوب نشر مجموع ساعات التدريس المقررة في الجامعة، وعدد الساعات التي يغطيها أفراد الملاك، وتلك التي يغطيها المتفرغون، وتلك التي لا تزال تسند إلى المتعاقدين بالساعة. بهذه الأرقام فقط يمكن تحديد موقع الجامعة من نسبة الـ80% المنصوص عليها قانونًا، وحساب الحاجة الفعلية إلى التفرغ بعيدًا عن التقديرات والتجاذبات.
إن استكمال ملف التفرغ ليس خروجًا عن القانون ولا استجابة لمطلب فئوي على حساب الدولة، بل يجب النظر إليه في إطار إعادة الجامعة اللبنانية إلى البنية التي أرداها لها القانون: جامعة تقوم بصورة أساسية على هيئة تعليمية مستقرة ومتفرغة، وتستخدم التعاقد بالساعة لتلبية الحاجات المكملة لا ليصبح بديلًا دائمًا عن التفرغ.
لذلك، بدل أن يكون السؤال: «لماذا نفرّغ هذا العدد من الأساتذة؟»، ربما حان الوقت لطرح السؤال الأكثر جوهرية: كيف وصلنا إلى أن تُغطّى حاجة أكاديمية دائمة في الجامعة الوطنية منذ سنوات بالتعاقد بالساعة، فيما القانون نفسه رسم منذ عقود قاعدة واضحة تجعل 80% على الأقل من ساعات التدريس بعهدة أفراد الهيئة التعليمية المتفرغين والداخلين في الملاك؟
إن حماية الجامعة اللبنانية تبدأ باحترام قانونها، واستقرار هيئتها التعليمية، وتمكين أساتذتها من التفرغ للتعليم والبحث العلمي. فالتفرغ في نهاية المطاف ليس استثمارًا في الأستاذ وحده، بل استثمار في الجامعة الوطنية وفي مستقبل التعليم العالي في لبنان.
*استاذ وباحث علمي
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate