
بوابة التربية كتب د. عدنان يعقوب*:
تشير تحليلات الخطاب الإعلامي في لبنان إلى تزايد حضور أفراد يُقدَّمون بوصفهم خبراء في مجالات علمية وأكاديمية، رغم استناد مؤهلاتهم إلى شهادات غير معترف بها أو إلى تخصصات لا تستوفي الشروط المنهجية للعلم. ويُلاحظ في هذا السياق توظيف الألقاب الأكاديمية، ولا سيما “الدكتوراه”، بوصفها آلية رمزية لإنتاج شرعية معرفية لخطابات لا تخضع لمعايير التحقق العلمي.
وفقًا لفلسفة العلم الحديثة، يُعرَّف العلم التجريبي بوصفه نسقًا معرفيًا قائمًا على صياغة فرضيات قابلة للاختبار والتكرار والتفنيد، بما يسمح بتراكم المعرفة وتصحيحها (Popper, 1959). في المقابل، تعتمد ما يُصنَّف ضمن العلوم الزائفة على ادعاءات غير قابلة للاختبار أو الدحض التجريبي، وتعمل ضمن أطر تفسيرية مغلقة، الأمر الذي يخرجها من المجال المعرفي للعلوم الحديثة (Pigliucci, 2010).
يسهم الإعلام، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة إنتاج هذا الخلط المعرفي، من خلال غياب آليات مؤسسية واضحة للتحقق من المؤهلات الأكاديمية للضيوف، ومنح الخطاب غير العلمي حضورًا مماثلًا للخطاب العلمي المتخصص. وقد تناول عدد من الباحثين في مجالي الإعلام والعلوم الاجتماعية هذه الإشكالية، ومن بينهم كاتب المقال، الذي ركّز في مقارباته النقدية على أثر ضعف التفكير النقدي وغياب المعايير الأكاديمية في الفضاء العام، وعلى المسؤولية المعرفية للمؤسسات الإعلامية في تمثّل الخبرة العلمية.
تخلص هذه المراجعة المفاهيمية إلى أن الحد من انتشار الخطاب غير العلمي في الإعلام اللبناني يستلزم مقاربة مؤسسية متعددة المستويات، تشمل تطوير معايير مهنية للتحقق من الخبرة الأكاديمية، وتعزيز دور الجامعات والهيئات العلمية في توضيح التخصصات المعترف بها، إلى جانب إدماج التفكير النقدي بوصفه عنصرًا أساسيًا في التربية والمعرفة العامة.
*باحث وأستاذ جامعي
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate