
بوابة التربية: صدر عن لجنة حملة الدكتوراه في التعليم الثانوي والأساسي والمهني البيان التالي:
في ظلّ النقاش القائم حول آلية تصحيح رواتب القطاع العام، ومع الاتجاه إلى الاكتفاء بدراسة قدرة المالية العامة على تحمّل الزيادات، ترى لجنة حملة الدكتوراه في التعليم الثانوي والأساسي والمهني ضرورة مقاربة هذا الملف من منظور اقتصادي علمي متكامل يوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية.
لقد أدّى التضخم المتراكم والانهيار النقدي إلى تراجع غير مسبوق في القيمة الفعلية لرواتب موظفي القطاع العام، ولا سيما في القطاع التربوي، الأمر الذي انعكس سلباً على الاستقرار الوظيفي، وجودة الأداء التعليمي، واستمرارية المؤسسات الرسمية في أداء مهامها. إن استمرار هذا التآكل يهدّد البنية المؤسسية للدولة ويضعف قدرتها على الحفاظ على كفاءاتها البشرية. وانطلاقاً من المعطيات المتداولة، يتمحور النقاش حول خيارين أساسيين:
أولاً: خيار الزيادة الفورية
يتميّز هذا الخيار بإمكانية استعادة جزء من القدرة الشرائية بصورة سريعة، بما يخفّف الضغوط الاجتماعية ويعزّز الاستقرار الوظيفي. كما أن زيادة الدخل المتاح قد تسهم في تنشيط الطلب الداخلي وتحريك بعض القطاعات الاقتصادية.
إلا أن نجاح هذا الخيار يبقى مشروطاً بتوافر مصادر تمويل حقيقية ومستدامة، إذ إن أي زيادة غير مغطّاة بإيرادات فعلية قد تؤدي إلى ضغوط تضخمية إضافية، وتنعكس سلباً على سعر الصرف والاستقرار النقدي.
ثانياً: خيار الزيادة التدريجية
يتيح هذا الخيار توزيع الكلفة المالية على عدة سنوات، ما يخفّف العبء الفوري على الموازنة العامة ويحدّ من مخاطر الصدمة التضخمية.
غير أن فعاليته تبقى محدودة في بيئة تضخم مرتفع، إذ قد تتآكل قيمة الزيادات قبل أن تحقق أثرها الفعلي، ما يطيل أمد الأزمة المعيشية ويؤثر على الاستقرار المؤسسي ويزيد من مخاطر فقدان الكفاءات.
ثالثاً: المقاربة الأكثر توازناً
استناداً إلى قراءة اقتصادية موضوعية، ترى اللجنة أن المعالجة الأكثر واقعية تتمثل في اعتماد مقاربة مركّبة تقوم على:
- إقرار زيادة مرحلية فورية جزئية تعوّض جزءاً من الخسارة الفعلية في الأجور.
- اعتماد مسار تصحيح تدريجي واضح ومحدد زمنياً
- ربط الرواتب بمؤشر غلاء المعيشة عبر آلية تلقائية تحميها من التآكل المستقبلي.
- إعلان خطة تمويل شفافة تستند إلى تحسين الجباية، ومكافحة التهرب الضريبي، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام.
إن جوهر الإشكالية لا يكمن في حجم الزيادة فحسب، بل في آلية تمويلها واستدامتها وقدرتها على الصمود أمام تقلبات التضخم.
رابعاً: البعد التربوي والمؤسساتي
إن استمرار تآكل الرواتب يهدّد:
1- استقرار الكادر التعليمي في التعليم الثانوي والأساسي والمهني؛
2-بقاء الكفاءات العلمية والتقنية داخل المؤسسات الرسمية؛
3-جودةالتعليم الرسمي ودوره الوطني
4-قدرة المؤسسات التربوية على الاستمرار في أداء رسالتها.
إن الحفاظ على رأس المال البشري التربوي ليس مطلباً فئوياً، بل أولوية وطنية ترتبط مباشرة بمستقبل الدولة والمجتمع.
من هنا :تؤكد لجنة حملة الدكتوراه في التعليم الثانوي والأساسي والمهني أن تصحيح الرواتب يشكّل ضرورة اقتصادية ومؤسساتية لضمان استمرارية القطاع التربوي الرسمي وتعزيز دوره الوطني.
كرامة المعلّم ليست بنداً مؤجّلاً في جدول الإصلاح، بل شرطاً أساسياً لقيام دولة عادلة ومستقرة.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate