
بوابة التربية: وجه د. حيدر إسماعيل*، كتابا مفتوحا إلى وزيرة التربية والتعليم العالي السيدة ريما كرامي، طالب فيه بالعدول عن قرار إجراء الامتحانات الرسمية للشهادة الثانوية العامة للعام الدراسي 2025-2026، وجاء في الكتاب:
تحية تربوية ووطنية،
نتابع من موقعنا التربوي والنقابي والحريص على الشأن التربوي، كما معاليكم، بقلق بالغ الواقع الأمني الذي يعيشه وطننا نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة وما تخلّفه من حالة هلع وعدم استقرار وانعكاسات نفسيّة واجتماعيّة وتربويّة على الطلاب والأهالي والأساتذة.
وانطلاقًا من مسؤوليتنا الوطنية والنّقابيّة والتربويّة، ومن حرصنا على سلامة الطلاب وحقهم في التعليم الآمن والعادل، نتوجّه إلى معاليكم بطلب إعادة النظر في قرار إجراء الامتحانات الرسمية للشهادة الثانوية العامة لهذا العام، والعدول عنه واعتماد آلية تقييم استثنائية تراعي الظروف الراهنة وتحفظ حقوق الطلاب ومستقبلهم الأكاديمي.
إنّ الامتحانات الرسمية تمثل إحدى الركائز الأساسية للنظام التربوي اللبناني، لما تؤمّنه من معايير موحدة للتقييم ومنح الشهادات؛ إلّا أنّ قيمة الامتحانات الرسمية تبقى مرتبطة بتوافر شروط العدالة وتكافؤ الفرص والأمن والاستقرار النفسي، وهي شروط باتت مهدّدة في ظل الظروف الحالية.
وقد أثبتت الدولة اللبنانية في محطات سابقة أنّ المصلحة الوطنية العليا وسلامة الطلاب تتقدّمان على أي إجراء إداري أو تربوي، فاتّخذت قرارات استثنائية كلما غابت الظروف الملائمة لإجراء الامتحانات الرسمية بصورة عادلة وآمنة.
ومن أبرز هذه الحالات: في العام 2020، ألغيت امتحانات (البريفيه) بسبب جائحة كورونا. في العام 2021، ألغيت امتحانات (البريفيه) نتيجة الأزمة الاقتصادية والمالية والإدارية،
وفي العام 2023، ألغيت امتحانات (البريفيه) بقرار من مجلس الوزراء بسبب صعوبات لوجستية وأمنية.
كما شهد العام 2014 أزمة حادة في الامتحانات الرسمية نتيجة الإضرابات والخلافات المرتبطة بسلسلة الرتب والرواتب، ما أدى إلى اضطرابات واسعة وتأجيلات متكررة وإجراءات استثنائية للحفاظ على حقوق الطلاب وعدم رهن مستقبلهم بالتجاذبات القائمة آنذاك.
إن هذه السوابق تؤكد أن الدولة اللبنانية تتعامل مع الامتحانات الرسمية بوصفها وسيلة لتحقيق العدالة التربوية، وأنها لم تتردد في اعتماد حلول استثنائية كلما تعذّر تأمين شروط هذه العدالة.
ولا شكّ في حرصكم على العمل التربوي، وفي أنّ إجراء الامتحانات الرسمية يحقق فوائد تربوية مهمة، أبرزها:
– توحيد معايير التقييم على المستوى الوطني.
– تعزيز الثقة بالشهادة الرسمية.
– قياس التحصيل العلمي وفق أسس موحدة.
– ترسيخ مبدأ الاستحقاق والجدارة.
إلا أنّ الإصرار على إجرائها في الظروف الراهنة قد يؤدي إلى نتائج معاكسة تمامًا، ومن أبرز السلبيات المتوقعة:
– تعريض الطلاب والأساتذة والعاملين في القطاع التربوي لمخاطر أمنية مباشرة أثناء التنقل إلى مراكز الامتحانات. (من يتحمّل مسؤولية ضررهم وثمّة سابقة في ذلك).
– الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص نتيجة تفاوت الظروف الأمنيّة والمعيشيّة والنفسيّة بين المناطق.
– زيادة مستويات القلق والهلع والتوتر لدى الطلاب.
– احتمال تعطيل الامتحانات أو تأجيلها أو اضطرابها نتيجة أي تطور أمني مفاجئ.
– التأثير السلبي في الأداء الأكاديمي للطلاب بسبب الضغوط النفسية غير المسبوقة.
– تحميل العائلات اللبنانية أعباء إضافية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
معالي الوزيرة،
إنّ حقّ الطالب في الحياة والأمن والسلامة الجسديّة والنفسيّة هو حقّ أساسي تكفله المواثيق الدولية والدستور اللبناني، وهو حقّ يتقدم على أي اعتبار آخر. وإنّ أي تقييم تربوي يفقد جزءًا كبيرًا من مشروعيته عندما لا تتوافر له شروط العدالة والأمان والاستقرار.
لذلك، فإنّنا ندعو معاليكم إلى اتّخاذ قرار شجاع ومسؤول بالعدول عن إجراء الامتحانات الرسمية لهذا العام، واعتماد بدائل تقييميّة استثنائيّة تستند إلى نتائج المدارس والتقويم المستمر وآليات تربوية عادلة تضمن حقوق الطلاب وسلامة الأستاذ وتحافظ على قيمة الشهادة الرسمية.
إن هذا المطلب لا يهدف إلى الانتقاص من قيمة الشهادة الثانوية العامة، بل إلى حمايتها من أن تُجرى في ظروف استثنائية تفتقد إلى أبسط مقومات العدالة التربوية والسلامة العامة.
ونحن على ثقة بأن وزارة التربية، كما كانت دائمًا، ستضع مصلحة الطلاب وسلامتهم فوق كل اعتبار، وستتخذ القرار الذي ينسجم مع رسالتها الوطنية والإنسانية والتربوية.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.
*رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي بالانابة سابقًا.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate