الأربعاء , يونيو 24 2026

البروفيسورية بين هيبة العلم وتضخم الألقاب

 

 

بوابة التربية- كتب د. عدنان يعقوب:

لم يكن لقب “البروفيسور” عبر تاريخ الجامعة الحديثة مجرد درجة وظيفية أو امتياز إداري، بل كان اعترافاً علمياً نادراً يُمنح لمن بلغ مرتبة متقدمة من الإبداع المعرفي، وأسهم في إنتاج علم جديد أو تطوير حقل أكاديمي أو بناء مدرسة فكرية تركت أثراً يتجاوز حدود المؤسسة التي يعمل فيها.

وقد ارتبطت البروفيسورية لعقود طويلة بمعاني الريادة والتميز والقدرة على إحداث فرق حقيقي في مسار المعرفة الإنسانية.

غير أن المشهد الأكاديمي المعاصر يطرح تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت هذه الرتبة ما تزال تحتفظ بالدلالة ذاتها التي اكتسبتها تاريخياً. فقد شهدت الجامعات خلال العقود الأخيرة توسعاً كبيراً في منح أعلى الرتب الأكاديمية، بالتوازي مع تصاعد الاعتماد على مؤشرات كمية لقياس الأداء البحثي، مثل عدد المنشورات والاستشهادات العلمية ومعاملات التأثير وغيرها من المؤشرات الببليومترية. ورغم أهمية هذه الأدوات في التقييم، فإن تحويلها من وسائل للقياس إلى غايات بحد ذاتها أدى إلى نتائج لم تكن مقصودة في الأصل.

لقد أصبح من المألوف أن يُختزل التميز الأكاديمي أحياناً في عدد الأبحاث المنشورة لا في قيمتها العلمية، وفي حجم الإنتاج لا في أصالته، وفي كثافة النشر لا في أثره المعرفي. ومع مرور الوقت نشأت ثقافة أكاديمية جديدة تقوم على مراكمة المؤشرات أكثر مما تقوم على مراكمة المعرفة. فبات الباحث مطالباً بإنتاج أكبر عدد ممكن من الأوراق العلمية للحفاظ على فرص الترقية والتقدم الوظيفي، حتى لو كانت بعض هذه الأعمال لا تضيف جديداً يذكر إلى المعرفة الإنسانية.

وفي خضم هذه التحولات برزت ظواهر أخرى لا تقل خطورة، منها تضخم أعداد المؤلفين في البحث الواحد، وتزايد الأبحاث المشتركة التي يصعب أحياناً تحديد حجم الإسهام الفعلي لكل مشارك فيها، فضلاً عن انتشار أنماط من النشر تقوم على إعادة تدوير الأفكار نفسها بصيغ متعددة لتحقيق متطلبات الترقية. وهكذا أصبحت بعض المسارات الأكاديمية تسمح بالوصول إلى أعلى الرتب العلمية من خلال تراكم كمي للأعمال، في حين يظل الإسهام النوعي الحقيقي محدود الحضور.

إن المشكلة لا تكمن في كثرة البروفيسورات بحد ذاتها، فالتوسع في التعليم العالي أمر طبيعي ومطلوب، بل تكمن في احتمال اتساع الفجوة بين اللقب والإنجاز. فعندما يصبح الحصول على البروفيسورية نتيجة استيفاء شروط إجرائية أكثر منه اعترافاً بتميز علمي استثنائي، يبدأ اللقب تدريجياً بفقدان جزء من قيمته الرمزية والمعرفية. وعندما تتساوى في التقييم أعمال ذات أثر عالمي مع أعمال أخرى لا يتجاوز تأثيرها حدود متطلبات النشر والترقية، فإن منظومة التقدير الأكاديمي نفسها تصبح موضع تساؤل.

إن الجامعة لا تُقاس بعدد من يحملون الألقاب العليا، بل بعدد من يصنعون معرفة جديدة ويؤثرون في مجتمعاتهم وحقولهم العلمية. فالتاريخ لم يخلّد العلماء بسبب كثرة ما نشروا، بل بسبب الأفكار التي أضافوها، والأسئلة التي طرحوها، والتحولات التي أحدثوها في فهم الإنسان للعالم من حوله. وبين عالم يترك بصمة فكرية تستمر لعقود، وآخر يراكم عشرات الأبحاث التي لا يقرأها أحد، تكمن المسافة الحقيقية بين اللقب والرسالة.

من هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة الاعتبار للمعيار النوعي في التقييم الأكاديمي، بحيث يُنظر إلى البروفيسورية بوصفها تتويجاً للريادة العلمية لا مجرد محطة إدارية في السلم الوظيفي. فالحفاظ على هيبة اللقب لا يتحقق بتوسيع دائرة حامليه، بل بصيانة المعايير التي جعلت منه، عبر تاريخ الجامعات، رمزاً للعلم والإبداع والتميّز الفكري. وعندها فقط تستعيد البروفيسورية معناها الحقيقي، بوصفها شهادة على الإنجاز العلمي، لا مجرد إضافة إلى بطاقة التعريف الأكاديمية.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

بين الغارة والغارة أدرسوا…كلام يكشف انفصالاً خطيراً عن الواقع

      بوابة التربية- كتبت د. ريما شرف الدين:   عندما تقول وزيرة التربية …