
بوابة التربية: أعلن البروفسور تيسير عبَّاس حميَّة* عن نشر بحث علمي جديد في مجلة Results in Engineering بعنوان:
Thermodynamic Surface Characterization of Sustainable Polymers by Advanced Inverse Gas Chromatography Revealing Nonlinear Lewis Acid–Base Interactions for Environmental and Biomedical Applications
Tayssir Hamieh
Results in Engineering, 32 (2026), 113089
DOI: 10.1016/j.rineng.2026.113089
لماذا يُعدّ فهم سطح المادة بهذه الأهمية؟
عندما تتفاعل مادة بوليمرية مع ملوِّث موجود في الماء، أو مع دواء، أو بروتين، أو جزيء حيوي، فإن الحدث الأساسي لا يبدأ في عمق المادة، بل عند سطحها.
وعلى هذا السطح، وعلى مسافات جزيئية شديدة الصغر، تتنافس قوى التشتت، والتفاعلات الحمضية–القاعدية من نوع لويس، والتآثرات الإلكترونية، والتنظيم الجزيئي، لتحدد في النهاية سؤالًا بالغ الأهمية:
أيّ جزيء سيلتصق بالسطح؟ وبأي قوة؟ وتحت أي ظروف حرارية؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي يحاول هذا البحث الإجابة عنه من منظور الديناميكا الحرارية الجزيئية للأسطح.
ما الجديد في هذا العمل؟
اعتمد البحث تقنية متقدمة هي الكروماتوغرافيا الغازية العكسية عند التخفيف اللانهائي (IGC-ID) لدراسة الخصائص السطحية والديناميكية الحرارية لبوليمرات مستدامة، ولا سيما حمض البولي لاكتيك (PLA) وأكريلات السليلوز (CA).
وتُظهر النتائج أن السطح البوليمري ليس مجرد مساحة هندسية ثابتة، بل هو منظومة ترموديناميكية ديناميكية تتغير خصائصها مع درجة الحرارة وطبيعة الجزيء المتفاعل معها.
كما يكشف البحث أن تفاعلات لويس الحمضية–القاعدية على هذه الأسطح قد تكون غير خطية وأكثر تعقيدًا مما تصفه النماذج التقليدية.
وباستخدام نموذج Hamieh ذي المعاملات الخمسة، أمكن التمييز بين المساهمات الحمضية والقاعدية، والتفاعلات الأمفوتيرية، وتأثيرات الاقتران والتآثرات غير الخطية من الرتبة الثانية.
وهذا يقود إلى رؤية أوسع للسطح:
البنية الإلكترونية للجزيئات → القوى بين الجزيئية → ترموديناميك الامتزاز → طاقة السطح → الوظيفة النهائية للمادة.
أولًا: لماذا يمكن أن يكون لهذا العمل أهمية بيئية؟
إن أحد التحديات الكبرى في معالجة المياه والبيئة ليس فقط تصنيع مادة قادرة على الامتزاز، بل جعل هذه المادة قادرة على التعرف انتقائيًا على الملوِّثات والتفاعل معها بقوة مناسبة.
فالمياه الملوثة قد تحتوي على أدوية ومبيدات وأصبغة ومركبات عضوية دقيقة وملوثات ناشئة ذات تراكيز منخفضة جدًا. وتعتمد قدرة المادة على التقاط هذه الجزيئات، في جزء أساسي منها، على طبيعة التفاعلات الجزيئية التي تحدث عند سطحها.
وهنا تبرز أهمية هذا النوع من الدراسات.
فإذا استطعنا تحديد البصمة الحمضية–القاعدية والترموديناميكية للسطح، وفهم كيفية تغيرها مع درجة الحرارة، يمكن أن نقترب من تصميم بوليمرات ومواد مركبة موجّهة جزيئيًا نحو ملوثات محددة بدل الاعتماد فقط على التجربة والخطأ.
وقد يفتح ذلك آفاقًا في:
تنقية المياه ومعالجتها، التقاط الملوثات العضوية، إزالة بعض الملوثات الناشئة، تطوير أغشية الفصل، تصميم مواد ماصّة قابلة للتجديد، وتحسين المواد البوليمرية المستدامة المستخدمة في التقنيات البيئية.
والفكرة الأساسية هنا هي الانتقال من السؤال:
كم يستطيع السطح أن يمتص؟
إلى سؤال أكثر عمقًا:
لماذا يختار السطح جزيئًا دون آخر، وما القوى الجزيئية التي تتحكم في هذا الاختيار؟
ثانيًا: الأفق الطبي والحيوي
الأمر نفسه يكتسب أهمية خاصة عندما تصبح الجزيئات المتفاعلة مع السطح أدوية أو بروتينات أو مكونات موجودة في وسط بيولوجي.
في المواد الحيوية، لا يكفي أن تكون المادة متوافقة ميكانيكيًا أو قابلة للتحلل؛ فالسطح هو أول منطقة تتواصل مع الوسط البيولوجي.
وعندما يلامس البوليمر وسطًا حيويًا، تبدأ سلسلة معقدة من التفاعلات بين سطح المادة والجزيئات المحيطة بها. ومن هنا يمكن لفهم طاقة السطح، وقوى التشتت، والطبيعة الحمضية–القاعدية، والتفاعلات غير الخطية أن يقدم أساسًا فيزيائيًا–كيميائيًا أفضل لتطوير مواد ذات وظائف حيوية متقدمة.
ومن التطبيقات التي يمكن أن تستفيد مستقبلًا من هذا الفهم:
أنظمة توصيل الدواء، حيث يساعد ضبط التآثر بين الدواء والبوليمر على التحكم في الاحتجاز والتحرر.
المواد الحيوية القابلة للتحلل، ولا سيما الأنظمة القائمة على PLA ومشتقات السليلوز.
الضمادات والمواد البوليمرية الوظيفية التي تتطلب تحكمًا دقيقًا في التفاعلات السطحية.
هندسة الأنسجة والأسطح الحيوية، حيث تلعب طبيعة الواجهة دورًا مهمًا في التفاعل بين المادة والوسط البيولوجي.
تصميم حوامل جزيئية ومواد ذات انتقائية سطحية محسّنة تجاه مركبات حيوية محددة.
ومن المهم التأكيد أن هذه تطبيقات واتجاهات تصميمية يتيحها الفهم الترموديناميكي الذي يقدمه البحث؛ أما الأداء البيولوجي والسريري الفعلي فيتطلب بطبيعة الحال دراسات وتجارب متخصصة إضافية.
من الاستدامة إلى التصميم الذكي للمواد
تكمن إحدى الرسائل الأساسية لهذا العمل في أن الاستدامة لا ينبغي أن تعني فقط اختيار بوليمر قابل للتحلل أو مشتق من مصدر متجدد.
فالجيل القادم من المواد المستدامة ينبغي أن يجمع بين:
الاستدامة الكيميائية + التحكم الجزيئي في السطح + الانتقائية + الوظيفة + إمكانية التصميم العقلاني.
ومن هذا المنظور، يمكن للكروماتوغرافيا الغازية العكسية المتقدمة أن تتجاوز دورها التقليدي كأداة لقياس خصائص الأسطح، لتصبح وسيلة لفهم اللغة الجزيئية التي تتخاطب بها المادة مع محيطها.
إن معرفة هذه اللغة قد تساعدنا مستقبلًا على تصميم مادة لا تمتلك فقط خصائص سطحية جيدة، بل سطحًا موجّهًا لوظيفة محددة: التقاط ملوِّث، فصل جزيء، حمل دواء، التحكم في تحرره، أو تحسين التفاعل بين مادة بوليمرية ووسط حيوي.
وهنا ربما تكمن الرسالة الأوسع لهذا البحث:
إن فهم المادة يبدأ من سطحها، وفهم السطح يبدأ من القوى الجزيئية التي تحكمه.
والانتقال من توصيف هذه القوى إلى نمذجتها ترموديناميكيًا قد يكون خطوة مهمة نحو تصميم عقلاني لجيل جديد من البوليمرات المستدامة والمواد البيئية والحيوية المتقدمة.
Maastricht_University *
المرجع العلمي:
- Hamieh, Thermodynamic surface characterization of sustainable polymers by advanced inverse gas chromatography revealing nonlinear Lewis acid–base interactions for environmental and biomedical applications, Results in Engineering 32 (2026) 113089.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate