نلملمُ شقائق التّحنان، ونجمع زنابق العرفان من أثلام آذار وأقلام الحبر المدرار، نرصّع بها أعتابًا تطأُها أقدام الأمّهات. ولن تكفينا كلّ حدائق الدّنيا وفاءً وثناء. فالأرض خمائلُ من حبّات قلوبهنّ، والسّماءُ جداولُ من كواثر عيونِهنّ، وهُنَّ فينا ملائكةٌ وقدّيساتٌ يحرسن بوّابات أعمارنا، وملكاتٌ يعتلين أرائك أرواحنا مُتَوَّجَاتٍ بالحُبّ، يلمسْن به قلوبنا؛ فتخضوضر. ويغمسْنَ به يباس أغصاننا؛ فتخضوضب. ويهمسْن به في عجاف أيّامنا؛ فتخضوضل.
سلامٌ على الأمّهات وهُنّ يسرجْن خيول الصّباح بعد أن أسرجْنَ سراجَ الأسهار في آناء الليل والأسحار، كي ننام قريري العيون، وأسرجْنَ البيوت بريحان قاماتهنّ تنفرج في ثناياها وحنايانا أسارير ضياءٍ ونعيم. هُنّ من لدن الله رحمةٌ واسعة. هُنّ من عدن الله نعمةٌ سابغة. هُنّ في أرض الله الواسعة جنّةٌ أولى وثانية وثالثة وسابعة. جمالهنّ يُلهم الإنسان بالحنان والشّعر، ظلالهنّ مُحْكَمُ القرآنَ بالبيان والذّكر.
هُنّ خلاصة الحياة من أعلى ألفِ رؤوسهنّ السّماويّة إلى أخمص ياء أقدامهنّ الجنائنيّة. كلّ عام وهُنَّ أصلُ الخير الطيّب الثّابت في الأرض، وفصل ربيعه وفروعه النّابتة برحمة السّماء في كلّ حين.
في الحادي عشر من آذار ملأت البحر قافلةٌ من أربعة عشر فدائيًّا تقودهم دلال المغربي بسفين العزم يمخرون عباب الشّوق إلى يافا. عيونهم ترنو إلى جبل النّار، وقلوبهم تنبض على دروب القدس. أقاموا فلسطينهم على متن أتوبيس الثّورة بين حيفا وتل أبيب. تدثّروا ببنادقهم، وتكفّنوا ببيارقهم بالأحمر والأخضر والأبيض والأسود. فرفرفت راية فلسطين، لتعلن ميلاد الصّبح من جرح كمال عدوان، وميعاد الفتح من قمح أبي جهاد مواسم فداء وانتفاضاتٍ تغسل وجه أرض البرتقال الحزين بنجيع الشّهداء.
وبعدها بسبع سنوات، ملأ نعمة هاشم البَرَّ بأربعين مقاومًا، ضاقت ببطولاتهم أرض الزّراريّة؛ فانفجرت بعمليّةٍ مزدوجة حفظت مفتاح الجنوب في أيدي الأوفياء، وأشعلت البلاد سعيرًا تلهب جنود الاحتلال. فكانت الزّراريّة وأخواتها على موعدٍ مع كربلاء الحسين، تكتب بالدِّماء ملحمة التّراب؛ فيتعانق البَرُّ الجنوبيّ مع البحر الفلسطينيّ، ويصلّي برتقال الخرايب صلاة الوحدة مع برتقال يافا، وتتشابك قصفات زيتون أرزي مع زيتونات الكرمل. فيضيء زيت المقاومة إذ تسكبه دلال، ثمّ يمسسه نعمة هاشم، ليتلاقى الجنوب مع فلسطين نورًا على نور، وتسري خيول براق الجهاد في إسراء الشَّوق إلى الأقصى، ومعراج الشَّهادة إلى السّماء.
تنبسط النّبطيّة سهلةً دمثة، فتتّسع بالعمارة والتّجارة والتّربية كأنّها مدينة، لكنّها تنطوي على عاداتها وتقاليدها تحضنها في الإحياء والأحياء، بما يجعلها أقرب إلى القرية. تنفتح أمام قاصديها لعبةً في حيّ البيّاض وعمارات اغتراب جعلته “حارة أفريقيا”، وكتابًا في حيّ الجامعات، وكرةً مستديرةً وملعبًا أثيرًا في تلّة كفرجوز؛ لكنّها قبل ذلك كلّه هي ساحة عاشوراء التي ما برحت تؤرّخ زمانها وتورث إنسانها الحسينيّة مبنًى ومعنًى وفي كلّ حين. من أيّ الجهات أدخل إلى النّبطيّة؟ أأدخل إليها من حروفِ اسمِها المقدودِ من صخورِ أنباطِها القادمينَ من مدينةِ البتراء، أم أدخلُ إليها من دلالةِ الفعلِ إلى انبجاسَ الماء؟ وهلِ اقترانُ الصّخرِ بالماءِ في إسمِ النّبطيّة إلّا حقيقةُ هذه المدينةِ العاتية على العادي، والرّفيقة بالرّائح والغادي أينما نزل في أهلِها ومحلِّها.
وإنْ كانتِ النّبطيّة توأمَ البتراء، فهي الشّقيفُ الذي لا يَهْرَمُ بتقادمِ الزّمان، وإن كانتِ النّبطيّة انبجاسَ الماء، فهي عيْنُ الثّقافةِ وبحرُها الزّاخر، والشّراع الذي يرتادُ بنا آفاقَ الحياةِ الواسعة، من مدرستِها الأولى والسّيّد حسن بن السّيّد يوسف الحبّوشيّ، إلى حُسَينيّتِها الأولى في العام 1909 والعالِم الشّيخ والشّاعر عبد الحسين صادق الخياميّ، بمعيّة ابراهيم الميرزا الإيرانيّ. في النّبطيّة نفتحُ عيونَنا على تاريخ جبلِ عامل في مدوّنة محمّد جابر آلْ صفا، فنقرأ صَفَحاتٍ وصَفَحاتٍ عن مدينةٍ رائدةٍ وسبّاقةٍ إلى العلمِ والأدبِ والإيمان، وأَعلامُها نورٌ على نور في فضاءِ الوطنِ والعالَم من المجمّع العلميّ في دمشق إلى مغتربات الجهات الأربع، وطليعتهم الباهرة حسن كامل الصّبّاح والشّيخ سليمان ضاهر والشّيخ أحمد رضا والسّيّد عبد الحسين نور الدّين.
في هذه الأرض يَشِعُّ الوفاءُ، وتَحُطُّ في التّرابِ شواهدُ الشّهداء بيدرًا نُخَبِّئُهُ لأيّامِنا العِجاف، ونَخُطُّ في الكتابِ قصائدَ الشّعراءِ كوثرًا نستقيه في مواسمِ الجفاف، ثمّ نزيّن مدى الأعمار والأبصار بلوحات مُحتَرَفِ الفنّان زَعَل سلّوم، ونقتفي أثرَ ديكِ الخطّاطين علي بدر الدّين ينبُشُ الطُّرُقَ والحقولَ، ليرسُمَ عليها خطوطَه، ونستعيدُ ياسر بدر الدّين وفَرِيحة الحاج علي وعادل الصّبّاح ونادي الشّقيف والمجلس الثّقافيّ للبنان الجنوبيّ وكلَّ فرسانِ المعبدِ الثّقافيّ النّبطانيّ، لأنّ العصافيرَ لا تموتُ في النّبطيّة.
وها نحنُ في مدينةِ النّبطيّة، نُنْشِدُ ليديْنِ من حجرٍ وقبضة ومقبض سيف، نتقمّصُ أرواح الشّهداء، فنقفُ مع سهيل حمّورة بمواجهة الاحتلال في عاشوراء النّبطيّة، لنصرخَ مع حسن كحَيْل: لن يُسْتَشْهَدَ الحُسين، وفينا قلوبٌ بِلَوْنِ بنفسجِ البلادِ وبسملةِ النّدى، وفينا إرادةُ شعبٍ ينتمي لأرضِه وسمائِه وللفقراءِ في كلّ مكانٍ وزمان.
في النّبطيّة، شعبٌ لا يموت، ولا ينقسم، ولا تنفصمُ أواصرُ المحبّةِ والخيرِ في قلوبِ أبنائه. وأهل النّبطيّة صورةُ لبنانَ النّقيِّ بتربيتِه، والقويِّ بإيمانِه، والبهيِّ بعيشِه الواحد، حيث يجتمع النادي الحسيني بكنيسة النّبطيّة في عيد البشارة، مثلما يجاور مُصَلّى عيسى ابنِ مريمَ كنيسةِ سيّدةِ الانتقال، ويطلّ دير مار انطونيوس على حسينيّة عاشوراء. في النّبطيّة وجوهِ نَيِّرَةِ وحكايات، أجملها لقاء الأب نقولا الصّائغ بالشّيخ محمّد تقي صادق ، يرتقيانِ بالمدينةِ لتصيرَ واحةً للحبّ ومساحةً للإيمانِ الأصيل. وطلّاب طليعتهم الطّبيب وديع الغَفَري، والمعلّمِ اللامع أنطون الصّائغ مدير المدرسة التّكميليّة في النّبطيّة والمفتّش التّربويّ الذي جمعَ في وفاتِه في أيلول من العام 1964 وجوهَ لبنانَ الحضارة والإنسان من فؤاد البستاني رئيس الجامعة اللبنانيّةِ الأوّل إلى العلّامة الشّيخ عبد الله العلايلي إلى إمام الوطنِ القائدِ المغيّب السّيّد موسى الصّدر الذي قال يومَها: لا تقتصرُ العبادةُ على الصّلاة في المسجدِ والكنيسة، فالتّعليمُ عبادة والتّثقيفُ عبادة…ولم يكن أنطون الصّائغ وحيدًا، ففي ذلك الحين كان جواد صيداوي يؤسّس ويديرُ أوّلَ ثانويّةٍ رسميّةٍ في النّبطيّة هي ثانويّة حسن كامل الصّبّاح اليوم، وكان دار المعلّمين يعدُّ أساتذةَ الجنوب في التّعليم الرّسميّ. ولعلّ التّربيةَ تبقى صناعةَ النّبطيّة الأثيرة منذ انطلاقةِ المقاصد في مطلع القرنِ الماضي، تليها أمُّ المدارس بمديرِها المرحوم عبد اللطيف فيّاض في العام 1919 إلى تكميليّة الصّبيان في العام 1948 بمديرِها الرّاحل سميح دخيل شاهين، فمتوسّطةِ البناتِ الرّسميّة بإدارة المرحومة فريحة الحاج علي في العام 1951، يلاقيهم روّادٌ ميامين في التّعليم الخاصّ من ميس ويلسون وغرفة القراءةِ الانجيليّة، فمدرسة الأمريكان، التي أصبحت المدرسة الانجيليّةَ الوطنيّة، إلى مدرسة الرّاهبات الأنطونيّات بإدارة الأخت ماتيلدا أبو جودة في العام 1953. لقد جعل هؤلاء الأعلام النّبطيّة قصرَ العلم، ومدرسة المدارس، وملتقى الجامعات، وأمَّ التّربية الرّؤوم التي يتّسعُ حضنُها للوافدين عامًا بعدَ عام، وجيلًا بعدَ جيل ينهلون العلمَ ويسلكون طريقَ المجد، يدأبونَ ولا يتعبون بطموحٍ لا ينطوي، بل يطوون به العالَمَ الأكبر.
هي صفحاتٌ من كتاب النّبطيّة المفتوح منذ أن كان وإلى منتهى ما سيكون على ديمومة الحُسن وخلود الحسين وقيم الحقّ والخير ومقام العشق والجمال.
هو ذلك الّذي يتوهّم نفسه مثقّفًا ناقدًا وقلقًا ومشتبكًا وعضويًّا، وفي حقيقته، لا يعدو كونه متثاقفًا مُتَشاوِفًا، يستشرس في تنزيه ذاته وتقديس أفكاره، ويحتكر القيم، ويبيح لنفسه شتم الآخرين وتكفيرهم وتشويههم، ثمّ يستغرق في محاكمتهم ورميهم بكلّ الموبقات والنّعوت، ويجعل نفسه الفرد الكامل الأوصاف، والنبيّ المختار لإنقاذ مجتمعه وأهله. هذا المتثاقف مستبدّ وإقصائيّ، تنكّب وحده قضايا أمّته، وأخلص وحده في حملها. وكلّ من عداه ومن سواه لصوص وفاسدون وتابعون ومارقون وغنم وأقزام، وهو المارد الجبار و أسد الله الهصور وسيف الحقّ البتّار وفارس فرسان الوطن والأمّة والشّعب والسّياسة والتّربية والاجتماع والاقتصاد والمعارضة والحرّيّة والأمميّة…هو سيزيفنا الّذي يرفع صخرة العذاب عنّا وحده، وأطلسنا الّذي يحمل السّماء من فوقنا وحده. كلّ الأغيار أشرار وهو الخير المطلق والصّلاح المطلق والكفوء والنّزيه والعصاميّ والألمعيّ واللّوذعيّ والرّاجح الرّأي والنّاجح السّعي… الكلّ في طيّ لسان شكوكه واتّهامه وفي طيلسان ظنونه وأوهامه، وهو المتحذلق في التّوصيف والمتفذلك في التّصنيف. فهو عبد الله المُصطَفى والمواطن المُنتَقى بعناية الله وتوفيقه، وقد أُعطِيَ له الحقّ في جمعنا وضربنا وطرحنا وقسمتنا في فسطاطين اثنين أنا/أنت، نحن/هم، الجيّدين/السّيّئين، الصّالحين/الفاسدين، المعارضين/الموالين، المقاومين/العملاء، الأوادم/الزّعران، الأحرار/العبيد، النّوعيّين/الكمّيّين، المستبصرين/عميان القلوب… وليس من جيّد في ميزانه وقوس محكمته، إلّا ذاته المتورّمة بأدران الأنانيّة، والمستعلية والمنحازة بصفاقةٍ وصلافةٍ إلى أحكامها المسبقة والقاطعة والمبرمة، والتي تبيح لبيانها أن يقذع جَلدًا بكلّ من يتمظهر مخالفًا أو مغايرًا. لقد صدق ابن سينا حين قال: لقد ابتلينا بقومٍ يظنّون أنّ الله لم يهدِ سواهم. ما أشبه المتثاقف المُتَشاوِف بالسّلطة الظّالمة. فهما متحالفان على جملة مشتركات من القمع إلى الرّغبة في الاستئثار وشهوة المصادرة والاستحواذ واستسهال العنف قولًا وفعلًا، والتّشنيع والتّرويع بمن يعارض ويجرؤ على ممارسة حقّ الاختلاف. في زمن الشّعبويّة والمزايدات الفارغة والدّيماغوجيّة والغوغائيّة والتّلوّن والتّذبذب والانفصام وامتطاء القضايا الكبرى بخيول الثّرثرة والهذر والدّونكيشوتيّة، في زمن القوّالين والزّجّالين والأدعياء الكَتَبة والأنبياء الكَذَبة، وطواحين الهواء والغبار والخراب والضّباب والسّراب والقضايا الضّائعة بين ضجيج الزّاعمين وصمت العازمين، في زمن الاستعراض والدّعاية؛ لا صوت يعلو فوق بروباغندا الكذّابين في عصفوريّة جنونستان. ففي الكذب الغُنُم الكثير، وفي الصّدق الغُرم الكبير، الّذي لا تحتمله أكتاف الدّجّالين…هل من سبيلٍ إلى النّجاة من هذا المسرح الخشبيّ وهذه اللّغة الخشبيّة؟ هل من إدوارد سعيد جديد، أو باسل أعرج آخر، كي تهتدي ثقافتنا إلى صراطٍ مستقيم؟ لعلّ…وعسى.
يَسَّاقَطُ ثلج “الرّيحان” خفيفًا كقطن النّيل؛ فيتسامى جبلُ “سُجد” ناصعًا في سجدتِه الأبديّة بين مقام نبيّه، وعيون الشّهداء. أمّا أرض “عرمتى” فتفترُّ عن بسمة شمسٍ تهشُّ من بين الغيم الّذي يظلّل صخور جبل “أبو ركاب”، وتبشُّ في حنايا جبل “صافي” وثنايا مروج “عقماتا”، وسنديانات “بئر كلّاب”. ويسرح الحفيفُ موّالًا في جنائن صنوبر “العيشيّة”، ليداعب ترجيع نواقيس كنائس “الجرمق”، ويُلاعب نشيج الماء في بُركةِ “الجبّور” ونشيد الملّول في “كفرحونة”. تغوي أصداء البهاء كينايات “ميدون”، وتفتن شلّال “جزّين”؛ فيرتادان هذا العرس الأبيض. ثمّ يتردّد صدى الفرح في زيتون “مليخ”، وتهدر مياه نبع “الطّاسة” تحمل أسرار “اللويزة” إلى “جرجوع”، وتقف “مليتا” تغمز “الريحان” وتواعده على بوح الحبّ في عرزال الصّفصاف والنّفناف، ويفرش سهل “الميذنة” سجّادته الخضراء ليصلّي على إيقاع ناقوس كنيسة الجرمق شفعَ خيرٍ ووتر جمال، فتغفو “كفر رمّان” قريرة العين على وسادة حرير “الطّهُرّة”.
هكذا، تكتمل فصول جوقة الشّتاء الرّيحانيّ.
على دروب “الرّيحان” ترفو الكلمات حروفها وتهفو القلوب إلى ذلك الفردوس البديع، وتتماس القلوب والدّروب؛ فيتناصّ المقال مع مقام “جرير” النّجديّ في جبل “الرّيّان” مقتبسًا: يا حبّذا جبلُ (الرّيحانِ) منْ جبلٍ وَحَبّذا ساكِنُ (الرّيحانِ) مَنْ كَانَا…
28 أكتوبر، 2021اخبار وانشطة, ثقافةالتعليقات على المشروع الوطني الفلسطيني: تطوره ومأزقه ومصائره مغلقة
بوابة التربية- كتب محمد ع.درويش: أصدرت مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة حديثاً، كتاب “المشروع الوطني الفلسطيني: تطوره ومأزقه ومصائره” للمؤرخ ماهر الشريف.
يطرح الكتاب سؤالاً جوهرياً حول العوامل التي حالت دون نجاح الحركة الوطنية الفلسطينية في تحقيق أهداف مشروعها والتي أدت بالتالي إلى وصول هذا المشروع إلى مأزقه الراهن؛ بداية من تبلور المشروع الوطني الفلسطيني عقب مرحلة من التخبط السياسي في عهد الانتداب البريطاني، مع ولادة حركة فتح في أواخر خمسينيات القرن العشرين، وانتقل عبر تطوره، من مشروع تركز على تحقيق هدفي التحرير والعودة، إلى مشروع تركز، في المقام الأول، على تحقيق هدف الاستقلال في إطار دولة فلسطينية تحددت حدودها في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، ثم إلى مشروع راهن على أن تقوم هذه الدولة بعد مرحلة انتقالية من الحكم الذاتي، وهو الرهان الذي خاب وولد المأزق الراهن الذي يواجهه هذا المشروع اليوم، وأثار سجالات غنية بشأن سبل الخروج من هذا المأزق.
يحاول الكتاب البحث في تلك العوامل التي حالت دون نجاح الحركة الوطنية الفلسطينية في تحقيق أهدافها من خلال تتبع المراحل التاريخية التي مر بها المشروع الوطني الفلسطيني، وذلك عبر تسعة فصول رئيسية تبدأ بالحديث عن المشروع الوطني الفلسطيني قبل العام 1948، ومن ثم يتحدث الفصل الثاني عن مشاريع قومية واسلامية وشيوعية ترنو إلى فلسطين، ويستعرض الفصل الثالث مشروع حركة ” فتح” الوطني وميثاق منظمة التحرير القومي، وينتقل عبر الفصل الرابع لمشروع التحرير والعودة عقب هزيمة حزيران/يونيو 1967، أما الفصل الخامس فيجسد الانتقال من مشروع التحرير إلى مشروع الاستقلال، وفي الفصل السادس حديث عن الرهان على “الخيار الأردني” وسقوطه، وفي الفصل السابع عرض لمرحلة من “إعلان الاستقلال” إلى “إعلان المبادئ”، أما الفصل الثامن فجاء عن إخفاق مشروع تحول الحكم الذاتي إلى دولة مستقلة وانقسام النظام السياسي الفلسطيني، وفي الفصل التاسع والأخير استعراض لمأزق المشروع الوطني الفلسطيني وسبل الخروج منه. ويستند الشريف في ذلك التتبع إلى منهج ينطلق من فكرة رئيسية فحواها أن الأفكار هي نتاج الأوضاع التاريخية لزمنها، ويقوم بالتالي بعرض الأفكار وتحليلها ضمن سياقاتها المحلية والإقليمية والدولية.
ويعتبر الكتاب إضافة أخرى يقدمها المؤرخ ماهر الشريف إلى جانب إسهاماته الأخرى في حقل تاريخ الفكر السياسي الفلسطيني، فصدر له سابقاً “البحث عن كيان: دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني 1908-1993″، و”المثقف الفلسطيني ورهانات الحداثة 1908-1948″ و”قرن على الصراع العربي-الصهيوني: هل هناك أفق سلام؟” و”تاريخ الفلسطينيين وحركتهم الوطنية” بالاشتراك مع عصام نصار. ويشغل الشريف منصب رئيس وحدة الأبحاث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية ويعمل كباحث مشارك في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في بيروت.
14 أكتوبر، 2021اخبار وانشطة, ثقافةالتعليقات على “صعب للدراسات” تحيي الذكرى الـ ٩٩ لولادة المفكر الراحل حسن صعب مغلقة
بوابة التربية: تحل الذكرى ال ٩٩ لولادة المفكر الراحل الدكتور حسن صعب، في ظروف استثنائية التي يمر بها لبنان، ومعاناة الإنسان في هذا البلد التي تتفاقم وتزداد يوما بعد يوم على الصعيدين المعيشي والحياتي.
وبهذه المناسبة وجهت “مؤسسة حسن صعب للدراسات والأبحاث” دعوة إلى استعادة لكل ما أرساه من قيم، ومبادىء، وما عمل لأجله على مستوى النضال لقيام دولة المؤسسات والقانون والعدالة الاجتماعية، وما تركه من إرث وإنجازات في شتى الميادين والحقول من أجل إنماء الإنسان كل إنسان وكل الإنسان.
وأحيت “صعب للدراسات”، ذكرى ولادة مفكر الإنماء الدكتور حسن صعب، عرفاناً له، واعترافاً بقيمته التي كانت ثورة جامحة على الباطل والظلم والاستعمار والاقطاعية والطبقية، مطالباً بالعدالة والمساواة بين جميع الناس. وبكونه أحد الأشخاص الذين دعوا، الى صناعة تاريخ جديد وإنسان جديد ودولة جديدة وروح انمائية جديدة.
وبهذه المناسبة، وجه الزميل محمد ع. درويش تحية لروح معلمه، الراحل الدكتور حسن صعب، ولأعماله ومواقفه، التي قدّمها عبر السنين الماضية، للأجيال، ولبنان الحضارة. فهو مَن علّمَ أن لبنان هو الملتقى الفريد للمسيحيّة والإسلام، وهو من نادى بـ”لبنان وطنُ العقل لا وطنُ العنف”، ورفع أمامَ الجميع شعاره الدائم: “إنماء الإنسان، كلِّ إنسان وكل الإنسان”.
ذكر درويش، كيف كان د.حسن صعب رجل فكر وثقافة، حارب الجهل فصرعه ونشر المعرفة، بين جيل وجيل أشرعة وعي وتيقظ وضياء. وكان أيضاً، رجلاً عقلانياً في زمن التعصب والجهل ورجل محبة في زمن الحقد والاقتتال ورجل النقاش الهادىء في زمن فرض الافكار بقوة السلاح.
لقد أدرك حسن صعب أن رجال الفكر كأصحاب الرسالات مدعوون دائماً إلى إبداء الرأي الصحيح والعمل على التغيير وقلب الموازين الوطنية والتاريخية والاجتماعية حتى لو تعرضوا للموت من أجل إبلاغ رسالتهم الصادقة. وفي ضوء فهمه لجدية الترابط بين الهوية اللبنانية والهوية العربية، أكد على أهمية التواصل الإسلامي، المسيحي في نشأة لبنان، الوطن الفريد، والوطن القدوة… المصغر الإبداعي للوحدة من التنوع، في التمدن العربي، والتحضر الإنساني.
عرض درويش، العنوان العريض الذي كان ضمن بنائه الفكري الكبير، وهو “الإسلام وتحديات العصر”. حيث حضّ اللبنانيين على “الإجماع على أن الهوية العربية، كما قال، هويتنا الذاتية الاختيارية، وعلى أن الثقافة العربية المنفتحة على باقي الثقافات الإنسانية انفتاحاً إبداعياً هي ثقافتنا الذاتية الاصيلة”. وحذر ايضاً من الخطر الصهيوني على لبنان والمنطقة العربية برمتها وعلى مستقبل العلاقات الإسلامية المسيحية التي ان أصيبت في لبنان بالذات ستنعكس آثار اصابتها في كل أنحاء العالم”.
ولقد تمنى درويش في ختام كلمته، “في هذا الظرف الفائق الصعوبة والمهدد للوطن ولمكانة لبنان الدولية ولإفراغه من خيرة قواه الحية، يجب على جميع المسؤولين والعاملين في حقل السياسة ان يضافروا قواهم من أجل إنقاذ لبنان”.
كما دعا درويش الحكومة إلى “دراسة كل المبادرات التي تهدف إلى مساعدة اللبنانيين على تجاوز معاناتهم وألا تدخل في ذلك اية اعتبارات سوى مصلحة اللبنانيين والنهوض بهذا الوطن”.
8 أكتوبر، 2021اخبار وانشطة, ثقافةالتعليقات على مها كيّال تخترق القراءة الديناميكية عبر كتابها المجاني”ما بين الثقافة والتراث الثقافي” مغلقة
بوابة التربية- كتبت د. ليلى شمس الدين:
واجهت الباحثة في الأنثروبولوجيا البروفسورة مها كيّال التحدّيات والأزمات المجتمعية التي يعيشها اللبنانيون في الوقت الراهن من خلال إصدار كتابها “ما بين الثقافة والتراث الثقافي” مخترقة مساحة القراءة الديناميكية lecture dynamique)) في العصر الرقمي الذي نعيش.
الكتاب مجموعةً من الأبحاثِ التي شاركتُ بها البروفسورة كيّال في العديدِ من المؤتمراتِ الوطنيةِ والإقليمية، يطال في مواضيعه التراثَ الثقافيّ بشقّيه: المادّيّ وغير المادّيّ، كما الثقافة المعاشة وتأثرها بالموروث.
الأبحاث التي يتضمّنها الكتاب ليست بالجديدة، لكن قسماً منها لم ينشر بعد. وإنّما ارتأت كيّال الباحثة في الأنثروبولوجيا أهمية جمعها ونشرها، لا سيّما وأن مواضيعها مترابطة من حيث المجال البحثي.
تختزن صفحات الكتاب من خلال التحليل، الارتباط بين الثقافة والتراث في قالب اجتماعي لبناني، وينظر بعيون أنثروبولوجية لقضايا الهوية، والتنمية، وعولمة الثقافة، والتراث المادي واللامادي، وإشكالية صون التراث، والهيمنة الثقافية والدلالات والرموز الثقافية، وغيرها من القضايا الفكرية المترابطة التي جمعتها في 208 صفحات شكّلت مجموع صفحات الكتاب الذي مُهر غلافه بريشتها من خلال لوحة مميّزة أضافت بعدًا جماليًا لهذا الإصدار المميّز.
والجديد في هذا الإصدار أيضاً، انّه يمثّل رؤية وتطلعات البروفسورة كيّال للتراث عموماً، لا سيما منه المادي، كما وللثقافة المادية، الذي شرحته بتوسّع في تقديم وفي خاتمة كتابها الذي أرادته أن يكون فاتحة لأبحاث جديدة في الثقافة المادية.
الاستفادة التي قدّمتها البروفسورة كيّال الباحثة في الأنثروبولوجيا في هذا الإصدار لم تقتصر على المضمون الذي لا شك سيُغني المكتبة الأنثروبولوجية العربية من خلال استفادة الباحثين والأكاديميين والطلاّب، وإنّما تعدّته إلى الاستفادة من مضمون هذا الكتاب بصيغة PDF مجّانًا من خلال تنزيله بسهولة من خلال الضغط على الرابط الموجود على حسابها الفايسبوكي.
إضافة جديدة تشكّلت من خلال هذه التجربة التي اعتمدتها البروفسورة كيّال في إصدارها من خلال طباعته عبر Word وتحويله إلى صيغة Adobe Acrobat (PDF) لعرضه، وهو ما اعتبرته المؤلّفة والناشرة في آن أسلوباً سيسمح لها مستقبلاً بتطوير طرائق كتبها، لجعلها كتباً رقمية عديدة الاحتمالات في صناعتها، دينامية التطوير في الشكل كما في المضمون. مفترضة أن تصل إلى صناعة الكتب والأبحاث التفاعلية التي تنقلنا من مرحلة القراءة التأملية (lecture reflexive) التي أنتجها عصر النهضة، إلى مرحلة القراءة الديناميكيةlecture dynamique)).
كتاب مها كيّال “ما بين الثقافة والتراث الثقافي”
يمكنكم الحصول على نسخة من إصدار بروفسورة مها كيّال “ما بين الثقافة والتراث الثقافي” المنشور مجّانًا من خلال الدخول إلى حسابها
6 أكتوبر، 2021اخبار وانشطة, ثقافةالتعليقات على المرشدة النفسية عيتاني تقدم طرقا للتخلص من المشاعر السلبية مغلقة
بوابة التربية: امام هذا الواقع المتردي نفسيا واقتصاديا وانعكاسه على نمط الحياة من سلبيات ارتفاع الضغط النفسي، وجهت المرشدة النفسية والاستاذة الجامعية ديالا عيتاني نصائح عدة لتخطي الازمة التي نعيشها بسلام دون اي مضاعفات صحية تؤثر سلبا على الصحة النفسية الجسدية، وقالت:
”لاشك ان هذه الفترة التي نعيشها صعبة اقتصاديا مما يزيد من القلق الذي يؤثرعلى ارتفاع الضغط النفسي، سواء بالافكار او في العادات اليومية، كالنوم لساعات طوال، ام العكس، عدم النوم حيث تشيرهذه العوارض الى انهيار نفسي. لذلك اي شخص في حالة صحية طبيعية سيتأثر بتلك الاجواء الضاغطة ،ومن لديه استعداد ستزيد عنده عوارض الانهيار النفسي، تحت اطار الامراض النفسية الجسدية، اذ نجد البعض يشعرون في اوجاع في جسمهم اكثر لاسيما في عضلات الكتف فضلا عن التشنج في الرأس، خصوصا من الجهة الخلفية المسؤولة عن المشاعر، فأي تشنج نفسي يعكس سلبا في هذا المكان، اما الجهة الامامية للرأس التي تعكس مكانا للتفكير في الدماغ، فنجدها تتأثر وجعا في هذا المكان عند اي ضغط عصبي يتعرض له الانسان فضلا عن الم المعدة وعسر الهضم كأن الانسان يأكل مشاعره بالمعنى المجازي، مما لا يستطيع ان يهضم اكله جيدا فضلا عن الشعور في ثقل اليدين نتيجة حمله الكثير من الهموم.
هذا يعني ان كل منطقة في الجسم معرضة للمشاكل الصحية في هذه الظروف الدقيقة، خصوصا اذا بقيت مكبوتة، لا يستطيع حينها ان يعبر الانسان عنها كثيرا اما انه ليس لديه وقت للذهاب الى الطبيب للمعالجة بحجة الاوضاع المتأزمة مما يؤدي إلى إرتفاع الضغط النفسي او انه لا يعرف التخطيط مستقبلا فيزيد عنده القلق خصوصا اذا كان مصابا بالوسواس.
وقالت الدكتورة عيتاني: ”ان الناس تحب ان تعرف ماذا سيحصل لها مستقبلا مما يزيد عندها القلق لان امامها شيء غير ملموس فتصاب اكثر في الانهيار النفسي نتيجة الوضع المتأزم. تلك الاجواء تؤثر سلبا على الناس حيث البعض لا يعبر فيكبت مشاعره اكثر.
وشددت على ان الحل يكمن في الانسان، وعليه ان يعرف انه من الطبيعي ان يمر في تلك الفترة المتشنجة اقتصاديا وسيزيد لديه الضغط النفسي، كونها مرحلة صعبة لانه اذا لام نفسه فهذا لا ينفع كون اللوم لا يساعده بل يدخله في المشاعر السلبية، التي تؤثر على صحته.
وأعتبرت أن المهم ايجاد طريقة يعبر فيها في عبر التحدث مع ذوي الخبرة او معالج نفسي يثق به دون ان يطلق عليه الاحكام او اللجوء الى ممارسة الرياضة التي تخفف الاوجاع او التدليك. كل ذلك يرفع من هورمون الاوتوسين التي تساعده على الاسترخاء اكثر وبالتالي تخفف عليه التشنجات ففي الحركة مهمة للتخلص من الالام.