
بوابة التربية- كتبت مريم يوسف صلح*:
إنَّ كل إصلاحٍ تربويٍ يتجاهلُ “إنسانية المعلّم” ليس إلا محاولة لترميم الجدران في مبنى تنهار أساساته. اليوم، وبينما تتسارعُ الخطى نحو “اقتصاد المهارات” بوصفه طوق نجاةٍ للأوطان، نجدُ أنَّ المعادلة التربوية في لبنان تعاني من خللٍ وجوديٍّ حاد؛ ففي الغرف الصفية، يقف المعلّم ممزقاً بين طموحات المناهج العصرية وبين واقعٍ معيشيٍّ يفتتُ كرامته المهنية، ليتحوّل التحدي من “كيف نُحدث التعليم؟” إلى “كيف نحمي مَن يُحدثُ التعليم؟”. إنَّ التغافل عن هذا السؤال ليس سوى تعميقٍ للفجوة بين ما نطمح إليه كتربويين، وما يفرضه الواقع المأزوم.
إنَّ التحليل التربوي الرصين الذي يطرح ضرورة الانتقال من “اقتصاد الوظائف” إلى “اقتصاد المهارات” يُعدُّ خطوةً متقدمة في قراءة الاختلال البنيوي، لا سيما حين توثق الأرقام أنَّ 44% من المهارات الأساسية ستتغير بحلول عام 2027، وتؤكد التقارير وجود فجوة حقيقية بين مخرجات التعليم وحاجة سوق العمل المتسارعة. غير أنَّ هذا التشخيص، على دقة طروحاته، يظلُّ معلقاً في فراغ التجريد؛ فالسؤال الجوهري الذي يتجاهله صُنّاع القرار هو: مَن الذي سيقود هذا التحول؟ إنَّ المعلّم هو العمود الفقري لأي إصلاح، وحين يُنهك هذا العمود، يصبحُ أيُّ حديثٍ عن الذكاء الاصطناعي أو المهارات الرقمية مجرد “نصوصٍ جامدة” تفتقرُ إلى الروح التي تبعثها خبرة المربي الميداني.
وتشير إحصاءات المركز التربوي للبحوث والإنماء إلى أنَّ 62% من المعلمين في لبنان لم يشاركوا في أي برنامج تنمية مهنية خلال السنوات الخمس الأخيرة؛ فكيف يُنتظرُ من المعلّم أن يواكب ثورةً رقميةً متسارعة، وهو يفتقرُ إلى أدنى مقومات الأمان الاقتصادي والتقدير المعنوي؟ إننا أمام فجوةٍ مزدوجة: انفصامٌ بين إعداد المعلّم وفق نظريات الأمس، وبين حاجتنا إلى تأهيله لمتطلبات الغد، وهو تأهيلٌ لا يستقيم دون برامج انتقالٍ تُراعي إرث المعلّم المهني وتستعيدُ ثقته بمهنته.
إنَّ التعليم وخاصه الرسمي في لبنان لا يمرُّ بأزمة تطويرٍ اعتيادية، بل بأزمة بقاءٍ للهوية الوطنية. ورغم أنَّ 47% من شبابنا يغالبهم طموح الهجرة، إلا أنَّ “الكنز التربوي” الحقيقي ما زال متمثلاً في ذلك الإصرار الاستثنائي للمعلم اللبناني الذي أثبت عطاءً يتجاوز المحن. لكنَّ هذا الإصرار لم يُستثمر بعد، وظلَّ معزولاً عن أي رؤيةٍ وطنيةٍ شاملة.
إنَّ إعادة تعريف التعليم لا تبدأ من مراصد سوق العمل ولا من تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل من إعادة الاعتبار لكرامة المعلّم كأولويةٍ سيادية. فالمهارات تُبنى في الإنسان قبل أن تُبنى في الإقتصاد، ولا تنهض الأمم بأدوات التكنولوجيا فقط، بل بمن يملكُ الإيمان برسالتها ويُمنحُ الكرامة ليحققها. إنَّ إصلاح التعليم يبدأ من “صاحب الرسالة”؛ فإذا لم نستثمر في استقرار المعلّم، سنظلُّ نرسم خرائط طرقٍ ممتازةٍ لحافلةٍ لا يملكُ أحدٌ القدرة على قيادة حافلة الإصلاح إلى وجهتها.
*استاذه في التعليم الثانوي الرسمي
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate