
بوابة التربية- كتب فادي مسعد:
لم يعد ملفّ التفرّغ في الجامعة اللبنانية مجرّد شأن إداري أو أكاديمي، بل بات عنوانًا فاضحًا لتدخّل السياسة والطائفية في مؤسسة يُفترض أن تكون الحصن الأخير للعلم والمعرفة في البلاد. فالطريقة التي يُدار بها هذا الملف، والمعايير التي تُعتمد لتمريره، تكشف بوضوح أنّ ما يجري ليس إصلاحًا جامعيًا، بل تسوية سياسية مغلّفة بشعارات أكاديمية.
منذ طرح الملف على طاولة مجلس الوزراء، تراكمت الأسئلة أكثر ممّا ظهرت الأجوبة. فلا معايير معلنة، ولا شفافية في الاختيار، ولا رؤية واضحة لحاجة الجامعة الفعلية. وبدل أن يكون التفرّغ أداة لتعزيز الكفاءة والبحث العلمي، تحوّل إلى مدخل جديد للمحاصصة والتوظيف المجاني وتقاسم النفوذ.
تارة يُقال إنّ الأقدمية هي المعيار، وطورًا تُرفع راية “الحاجة”، وفي أحيان كثيرة تُدار العملية وفق توازنات طائفية لا تخفى على أحد. غير أنّ هذه المعايير، كما تُطبّق، لا تمتّ بصلة إلى الأعراف الأكاديمية المعتمدة في الجامعات المحترمة، حيث يُبنى التفرّغ على الإنتاج العلمي، والسيرة الأكاديمية، وجودة التعليم، والمشاركة البحثية الفاعلة.
إنّ اعتماد الأقدمية كمعيار حاسم لاختيار الأساتذة للتفرّغ يُشكّل تشريعًا مباشرًا للجمود والرداءة. فالأستاذ الأقدم ليس بالضرورة الأكفأ، كما أنّ حداثة العهد لا تعني ضعف الكفاءة. ولا يُعقل أن يُمنح التفرّغ لمن لم يُنتج بحثًا علميًا يُذكر، فقط لأنّه سبق غيره زمنيًا، فيما يُستبعد أستاذ أثبت جدارته الأكاديمية والتعليمية. هذا المنطق لا يبني جامعة، بل يحوّلها إلى إدارة مغلقة تكافئ الزمن لا الجدارة.
أمّا الحديث عن “حاجة الجامعة” فيفتقر بدوره إلى أي أساس علمي موثّق. فمن حدّد هذه الحاجة؟ وأين الدراسات الميدانية؟ وأين الأرقام الفعلية لأعداد الطلاب؟ الواقع أنّ كثيرًا من أقسام الجامعة تعاني شحًّا حادًا في أعداد الطلاب، إلى حدّ أنّ بعض المحاضرات لا تُعقد أصلًا بسبب الغياب شبه الكامل، بل إنّ عدد الأساتذة في بعض الأقسام يفوق عدد الطلاب، ما يجعل التفرّغ فيها أقرب إلى عبء مالي منه إلى ضرورة أكاديمية.
تُضاف إلى ذلك ظاهرة التشعيب الوهمي، حيث تُدرَّس المادة نفسها في أكثر من مسار، ويُكلَّف بتدريسها أكثر من أستاذ، رغم قلّة الطلاب. كما أنّ تعدّد الفروع للأقسام نفسها، كالفلسفة والتاريخ والجغرافيا، في مختلف المناطق، يكشف غياب أي تخطيط مركزي جدي. فلماذا الإصرار على فتح أقسام متشابهة في كل فرع، بدل الاكتفاء بأقسام وطنية موحّدة ذات جودة أعلى وكلفة أقل؟
ويبرز خلل إضافي لا يقلّ خطورة في عدد من الكليات النظرية، حيث يُلحّ أساتذة متعاقدون على التدريس في ساعات بعد الظهر، بذريعة ارتباطهم بأعمال خاصة في الفترة الصباحية. غير أنّ الواقع معروف: الطلاب في هذه الكليات يغيبون عادة عن المحاضرات المسائية، ما يعني أنّ هذه الدروس لا تُعقد فعليًا، وأنّ الأساتذة لا يؤدّون الساعات التي يتقاضون عنها أجورهم. والنتيجة رواتب تُدفع مقابل ساعات غير مُنجزة، ومحاضرات قائمة على الجداول لا في القاعات، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة.
والأخطر أنّ كل هذا يحصل تحت أعين مجالس الفروع والوحدات بمن فيهم المدراء والعمداء، فهؤلاء ليسوا شهودًا صامتين على هذا الخلل، بل شركاء فيه بحكم مواقعهم ومسؤولياتهم، ولا يمكن فصل صمتهم عن تفشّي هذه الممارسات.
ولعلّ ما كُشف مؤخرًا عن وجود مسار دراسي في أحد الفروع من دون أي طالب، والذي بادر رئيس الجامعة إلى إلغائه فور اكتشافه، يُشكّل دليلًا صارخًا على حجم الفوضى الإدارية. غير أنّ إلغاء المسار، على أهميته، لا يكفي وحده، إذ كان من الضروري فتح تحقيق جدّي يحدّد كيف أُنشئ هذا المسار، ومن وافق عليه، ومن استفاد منه. وما حصل لا يمكن اعتباره مجرّد خطأ إداري عابر، بل هو هدر صريح للمال العام، حيث تقاضى أساتذة أجورًا عن ساعات تدريس لم تُؤدَّ أصلًا، في ظل غياب الطلاب. وهذا يفرض، أخلاقيًا وقانونيًا، الانتقال من منطق المعالجة الشكلية إلى منطق المحاسبة الفعلية.
وكان الأجدر بالوزيرة (وزيرة التربية ريما كرامي) أن تُشكِّل لجنة محايدة ومتخصصة لدراسة واقع الجامعة دراسةً جادّة، تُشخِّص حاجاتها الفعلية، وتراجع ملاكاتها العلمية قبل اتخاذ أي قرار.
هل تعلم الوزيرة أن عددًا غير قليل من المتعاقدين يدرّسون مواد من خارج اختصاصاتهم؟ وأن بعضهم يحمل شهادات لا تمتّ بصلة إلى التخصص الذي يدرّس فيه؟
هل تعلم أن خريج معهد ديني قد يدرّس الفلسفة أو يُشرف على رسائل أدبية متخصصة؟ وأن متخصصًا في علم الاجتماع قد يُشرف على رسائل في علم النفس؟
إن ما يجري ليس مجرد خلل إداري، بل عبثٌ علمي وخفّةٌ مؤسسية تسيء إلى الجامعة، وتفرغ البحث الأكاديمي من معاييره، وتظلم الطلبة قبل أي أحد آخر.
إنّ توسيع التفرّغ في هذه الظروف يعني عمليًا تحويل عدد كبير من الأساتذة إلى موظفين دائمين بلا عبء تدريسي حقيقي، في دولة تعاني أصلًا من أزمة مالية خانقة. فهل يُعقل أن تُستنزف الميزانية العامة على تفرّغ لا تقابله إنتاجية علمية أو تعليمية واضحة؟ أليس هذا هدرًا منظّمًا للمال العام؟
وكان الأجدر بإدارة الجامعة، قبل الإقدام على هذا التوسّع غير المدروس في ملفّ التفرّغ، أن تبدأ بإصلاح بنيوي حقيقي، يقوم على إعادة هيكلة الأقسام، ودمج بعض الأقسام المتشابهة في فرع واحد، ولا سيّما تلك التي تعاني قلّة فادحة في أعداد الطلاب، فضلًا عن إلغاء البرامج والمسارات غير المجدية، وربط التفرّغ بمعايير إنتاجية صارمة، وتقييم دوري شفاف وخاضع للمساءلة.
غير أنّ ما يجري اليوم يوحي بوضوح أنّ الإصلاح ليس أولوية، وأنّ الهدف الفعلي هو تمرير الملف “التوظيفي” بأقل قدر ممكن من الاعتراض، ولو جاء ذلك على حساب مستقبل الجامعة ودورها الأكاديمي.
إنّ ملفّ التفرّغ، بصيغته الحالية، لا يعكس مشروعًا أكاديميًا وطنيًا، بل يُجسّد إخضاع الجامعة اللبنانية لمنطق السياسة والمحاصصة. وما لم يُفصل هذا الملف نهائيًا عن التدخّل السياسي والطائفي، ويُعاد بناؤه على أسس علمية واضحة وشفافة، فإنّ الجامعة ستبقى رهينة قرارات لا تخدم التعليم العالي، ولا المصلحة العامة، ولا مستقبل الأجيال القادمة.
يبقى السؤال الجوهري الذي لا يمكن القفز فوقه: كيف تسمح وزيرة التربية، الآتية من جامعة عريقة، وعضو في حكومة ترفع شعار الإصلاح، بتمرير ملف بهذا الحجم والخطورة من دون معايير واضحة وشفافة، بل وفق معايير يفتقر بعضها إلى أي بعد أكاديمي؟
وكيف يمكن التوفيق بين خطاب الإصلاح والممارسة الفعلية التي تُجيز المحاصصة، وتغضّ الطرف عن الهدر، وتُفرغ التفرّغ من مضمونه الأكاديمي، في مؤسسة يفترض أن تكون نموذجًا للحَوكمة الرشيدة؟
إنّ مسؤولية وزارة التربية والتعليم العالي في هذا السياق ليست شكلية ولا بروتوكولية، بل سياسية وأخلاقية كاملة، وأي صمت أو تواطؤ تحت عنوان “الحلول المؤقتة” يضع مشروع الإصلاح برمّته موضع شك.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate