الأربعاء , يونيو 24 2026

من “الافتراس الرقمي” إلى الدولة المعرفية

 

 

بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:

لم يعد النقاش الدائر في عدد متزايد من دول العالم حول تقييد استخدام الهواتف الذكية أو تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي نقاشاً تربوياً بالمعنى التقليدي للكلمة، بل أصبح جزءاً من مراجعة أوسع لمكانة الإنسان داخل الاقتصاد الرقمي المعاصر.

فعندما اتخذت هولندا في عام 2023 خطوات للحد من استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية داخل المدارس، وعندما عززت فرنسا سياساتها الرامية إلى تقليص الحضور الرقمي داخل البيئة التعليمية، وعندما أقرّت أستراليا في تشرين الثاني 2024 قانوناً يفرض قيوداً على استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة من العمر، لم تكن هذه الدول تخوض معركة ضد التكنولوجيا، بل كانت تعيد طرح سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمستقبل رأس المال البشري في عصر الذكاء الاصطناعي.

فالتكنولوجيا ليست خصماً للإنسان، كما أن المنصات الرقمية ليست شراً بحد ذاتها. غير أن التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي تفرض على الدول إعادة النظر في الكيفية التي تتشكل بها القدرات المعرفية للأجيال الجديدة، وفي طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان بمنظومات رقمية صُممت أساساً لجذب الانتباه وتعظيم زمن الاستخدام.

ومن هنا يبرز مفهوم “الافتراس الرقمي” بوصفه توصيفاً لحالة تتجاوز مجرد الاستخدام المكثف للتكنولوجيا، لتطال قدرة الفرد على التركيز والتعلم العميق والتفكير النقدي والإبداعي. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بعدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، بل بالأثر التراكمي الذي تتركه بيئات رقمية قائمة على الاستهلاك السريع للمعلومات والتفاعل اللحظي المستمر.

وتزداد أهمية هذا النقاش مع التحولات الاقتصادية العالمية الجارية. فالدول لم تعد تتنافس اليوم فقط عبر الموارد الطبيعية أو القدرات الصناعية التقليدية، بل عبر ما تمتلكه من معرفة وكفاءات بشرية وقدرات بحثية وتكنولوجية. وفي عالم يتجه بصورة متسارعة نحو اقتصاد الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأتمتة المتقدمة، أصبحت جودة رأس المال البشري العامل الأكثر حسماً في تحديد موقع الدول داخل النظام الدولي الجديد.

وفي هذا السياق، لم تعد المدرسة مجرد مؤسسة تعليمية، ولم تعد الجامعة مجرد فضاء أكاديمي لإنتاج الشهادات. فكلتاهما أصبحتا جزءاً من البنية التحتية الاستراتيجية للدولة، تماماً كما تُعد شبكات الطاقة والنقل والاتصالات من مقومات القوة الوطنية.

إن المهندس الذي سيطوّر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والباحث الذي سيقود مختبرات الابتكار، والخبير الذي سيعمل في الأمن السيبراني، والاقتصادي الذي سيدير تحولات الاقتصاد الرقمي، جميعهم نتاج السياسات التربوية التي تعتمدها الدول اليوم. ومن هنا فإن أي تراجع في جودة التعليم أو في القدرات المعرفية للأجيال الصاعدة لا يمثل مشكلة تربوية فحسب، بل يتحول تدريجياً إلى مشكلة تنموية واقتصادية واستراتيجية.

ولعل ما يميز المرحلة الراهنة أن تأثير التعليم لم يعد يقتصر على سوق العمل أو الإنتاج الاقتصادي، بل امتد ليشمل مختلف قطاعات الدولة الحديثة. فالمؤسسات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية والعسكرية باتت تعتمد بصورة متزايدة على مهارات مرتبطة بالبيانات والبرمجة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. ولذلك أصبحت كفاءة المنظومة التعليمية إحدى الركائز غير المباشرة للقدرة الوطنية الشاملة.

ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في تنظيم استخدام الهواتف الذكية داخل المدارس أو فرض قيود على بعض التطبيقات الرقمية، على أهمية هذه الإجراءات. فالمسألة الأعمق تتعلق بنموذج الإنسان الذي تسعى الدول إلى بنائه خلال العقود المقبلة: هل تمتلك منظوماتها التعليمية القدرة على إنتاج المعرفة أم تكتفي باستهلاكها؟ وهل تستطيع إعداد أجيال قادرة على الابتكار والمنافسة أم تكتفي بتخريج مستخدمين للتقنيات التي ينتجها الآخرون؟

بالنسبة إلى لبنان، تكتسب هذه الأسئلة أهمية استثنائية. فالدولة التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية الكبرى لا تملك في الواقع سوى مورد استراتيجي واحد يتمثل في الإنسان. وقد شكّلت الجامعات والمدارس اللبنانية لعقود طويلة أحد أهم مصادر القوة الناعمة للبنان وأحد أبرز عناصر حضوره في المنطقة والعالم. غير أن المحافظة على هذا الرصيد التاريخي لم تعد كافية في حد ذاتها، بل أصبحت الحاجة ملحة للانتقال من نموذج تعليمي يهدف إلى نقل المعرفة إلى نموذج جديد يهدف إلى إنتاجها.

إن مستقبل الدول لن يتحدد فقط بما تمتلكه من موارد أو بما تنفقه من أموال، بل بقدرتها على بناء إنسان يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على الابتكار. ولذلك لم تعد التربية شأناً اجتماعياً محصوراً بالمدرسة والأسرة، بل أصبحت قضية ترتبط مباشرة بالتنافسية الاقتصادية وبالمكانة الدولية وبمستقبل الدولة نفسها.

وفي عالم يعاد تشكيله بواسطة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة، يصبح الاستثمار في الإنسان أكثر من سياسة تعليمية؛ إنه استثمار في القوة الوطنية بكل أبعادها.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

بدلات هزيلة… وإهانة جديدة للأساتذة تحت عنوان تعديل تصحيح الامتحانات الرسمية

      بوابة التربية- كتبت د.ريما شرف الدين: في وقت يعيش فيه لبنان واحدة …