
بوابة التربية- كتبت د. فاطمة عبود:
ثمة فارق بين أن ينتظر الإنسان قراراً يعرف موعده، وبين أن يعيش في انتظار قرارٍ لا يعرف متى يأتي ولا إلى أين سينتهي به. في الحالة الأولى، يكون الانتظار مرحلة عابرة تنتهي بالحسم؛ أما في الثانية، فقد يتحول إلى نمط حياة تتداخل فيه التوقعات بالخيبات، ويصبح المستقبل مساحةً مفتوحةً على الإحتمالات. هذا ما يختصر واقع الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية الذين ينتظرون قرار التفرغ… وفي الحين الذي تتكرر فيه المواعيد والآمال، يبقى الحسم مؤجلاً.
لا تكمن وطأة هذا الواقع في تأخر قرار إداري فحسب، بل في ما ينتجه على الصعد النفسية والإجتماعية والأكاديمية إذ يولّد حالةً من عدم اليقين المهني. وفي تفسير ذلك، فإن إدراك الأستاذ الجامعي لعدم استقرار وضعه المهني يهدد شعوره بالأمن الوظيفي ويحدّ من قدرته على اتخاذ القرارات التي تحكم مستقبله. وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف عندها: فالأستاذ الجامعي مُطالب بأن يدرّس، ويتابع طلابه، ويطوّر كفاءاته، وينتج المعرفة، وأن يحافظ في الوقت نفسه على انتمائه إلى المؤسسة الأكاديمية ضمن شروط لا تمنحه استقراراً مهنياً موازياً لأدواره. ويمكن قراءة هذه المفارقة من خلال مفهوم “العقد النفسي” أي مجموعة التوقعات الضمنية التي يكوّنها الأستاذ في سياق علاقته بالجامعة والتي تتجاوز بنود العقد الرسمي لتشمل الإنصاف والتقدير والاعتراف والاستقرار. فكلما اتسعت المسافة بين ما يقدمه الأستاذ وما يتوقعه من جهة، وبين ما تتيحه له المؤسسة التي يعمل في إطارها من جهة أخرى، أصبح من المجدي التساؤل عن مدى الوفاء بمقتضيات هذا العقد النفسي وعن أثر ذلك في علاقة الفرد بالمؤسسة وفي درجة الانتماء الذي يطوّره تجاهها.
لكن آثار عدم اليقين المهني الذي يعيشه الأستاذ الجامعي لا تبقى محصورةً داخل أسوار الجامعة؛ فالذي يتقاضى دخلاً محدوداً ومتأخراً عن موعد استحقاقه يجد نفسه مضطرًّا إلى توزيع نشاطه المهني بين أكثر من مؤسسة، فلا يعيش هشاشة وظيفية فحسب، بل يُبقي جزءاً من حياته معلقاً على ما سيحدث لاحقاً، فتتجمّد قراراته الاقتصادية والمهنية، وأحياناً خياراته الشخصية والأسرية، لتصبح أكثر صعوبة لأن اتخاذ القرار يحتاج إلى حدٍّ أدنى من الاستقرار أو من القدرة على توقع المستقبل. وهكذا، لا يتأخر قرار التفرغ وحده بل تتأخر معه قرارات أخرى يُفترض أن تُبنى عليه.
ولعل الكلفة الأقل ظهوراً والأشدّ وطأةً هي تلك التي تتحملها الجامعة نفسها: فالعمل الأكاديمي لا يُختزل في ساعات التدريس، بل يقوم أيضاً على البحث والتأليف والمشاركة العلمية وتطوير المعرفة. وحين تُستهلك طاقة الأستاذ في التنقل بين مؤسسات مختلفة لتأمين الاستمرارية المعيشية مترقباً مصيره المهني، يتقلّص الوقت والجهد المتاحان للبحث والإنتاج العلمي. عندها تصبح الضريبة التي تتحملها الجامعة هدراً محتملاً للرأسمال الأكاديمي الذي ينبغي أن تتحول طاقاته إلى أبحاث ومعرفة وتطوير للجامعة والمجتمع.
وهكذا، فإن العقد المؤقت الذي يظلّ وضعاً ينتظر التسوية في التصنيف المؤسسي والذي قد يمتد سنوات طويلة في حياة الأستاذ الجامعي، يطرح قضيّةً تتجاوز التفرغ إلى الطريقة التي تدير بها المؤسسات علاقتها بطاقاتها البشرية؛ فالكفاءات البشرية لا تُحفظ إلّا بمنحها شروطاً تسمح لها بأن تعمل وتخطط وتنتج وتبتكر وتتطوّر… وهذا ما يجعل حسم قرار التفرغ مسؤولية تتجاوز حدود الإجراء الإداري إلى صون الإستقرار المهني وحماية الطاقات الأكاديمية من مزيدٍ من الإستنزاف.
فهل يُحسم هذا الملف ليكون بدايةً لتحرير هذه الطاقات الأكاديمية من انتظارٍ طال أمده؟
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate