الثلاثاء , مايو 12 2026
أخبار عاجلة

الامتحانات الرسمية في لبنان في بيئة عدم يقين: بين المركزية المرنة وحدود التحول نحو اللامركزية التربوية

 

 

بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:

يشهد النظام التربوي في لبنان في المرحلة الراهنة إعادة اختبار دقيقة لمفهوم المركزية في إدارة الامتحانات الرسمية، في ظل أزمات متراكمة فرضت نفسها على الواقع التعليمي، سواء على المستوى الأمني أو الاجتماعي أو اللوجستي. ويمكن توصيف هذا السياق بأنه بيئة عدم يقين تربوية، حيث تصبح القدرة على التنبؤ بالظروف التعليمية وتنفيذ السياسات التربوية ضمن معايير ثابتة أمراً شديد التعقيد، نتيجة التداخل بين الأزمات المتعددة وتفاوتها زمنياً ومجالياً. وقد برز في هذا الإطار توجه نحو اعتماد صيغ تنظيمية مرنة في الامتحانات، من بينها تعدد الدورات أو إتاحة خيارات مختلفة للتلاميذ، بما يعكس محاولة للتوفيق بين مقتضيات الاستمرارية التربوية وضغط الواقع غير المستقر.

من الناحية التربوية، يقوم النظام اللبناني تاريخياً على مركزية واضحة في الامتحانات الرسمية، حيث تتولى وزارة التربية والتعليم العالي تحديد المناهج، وإعداد الامتحانات، وضبط معايير التصحيح والتقييم على نحو موحد على المستوى الوطني. وقد ارتبط هذا النموذج بفكرة تحقيق العدالة التربوية عبر توحيد معيار التقييم، باعتبار أن الامتحان المركزي يشكل أداة لضبط المساواة بين المتعلمين في دولة تعاني من تفاوتات اجتماعية ومناطقية واسعة.

غير أن إدخال عناصر مرونة في آليات الامتحانات، سواء عبر تعدد الدورات أو عبر منح خيارات للتلاميذ، يعكس تحولاً تدريجياً في أسلوب إدارة النظام التربوي. هذا التحول لا يصل إلى مستوى تفكيك المركزية، لكنه يعبر عن انتقال نحو ما يمكن تسميته بـ“المركزية المرنة”، حيث يحتفظ المركز بسلطة القرار، مقابل منح هامش أوسع في آليات التنفيذ. ويبدو هذا النمط استجابة مباشرة لبيئة عدم اليقين التي تجعل من التطبيق الصارم للسياسات الموحدة أمراً صعباً من الناحية العملية.

إلا أن هذا التحول يثير إشكاليات أعمق تتعلق بمفهوم العدالة التربوية. فإتاحة خيارات متعددة في الامتحانات قد يبدو من حيث المبدأ خطوة مرنة وإنسانية في ظل الأزمات، لكنه في الواقع قد يعيد إنتاج تفاوتات غير مباشرة بين التلاميذ. فليست جميع الفئات قادرة على الاستفادة من المرونة نفسها، سواء بسبب اختلاف الظروف المعيشية أو تفاوت البيئة التعليمية أو القدرة على الوصول إلى الموارد. وبالتالي، فإن بيئة عدم اليقين لا تؤثر فقط على التنظيم الإداري، بل تمتد إلى بنية العدالة التربوية نفسها.

من الناحية القانونية والإدارية، لا يمكن اعتبار هذه التحولات انتقالاً نحو لامركزية بنيوية، بمعنى نقل السلطة من المركز إلى المستويات المحلية، بل هي تعديلات داخلية على أدوات التنفيذ ضمن إطار مركزي ما زال يحتفظ بجوهر السلطة التربوية. إلا أن تكرار هذا النوع من المرونة في ظل بيئة عدم يقين قد يؤدي تدريجياً إلى إعادة تعريف غير مباشر لوظيفة المركز، ليس من خلال قرار سياسي معلن، بل عبر تراكم الممارسات الإدارية.

أما على المستوى السياسي، فإن هذه التحولات تطرح سؤالاً أوسع حول علاقة القطاعات العامة في لبنان بمشروع اللامركزية الإدارية الموسعة الذي يُناقش على نطاق وطني. غير أن ربط ما يجري في قطاع التعليم مباشرة بهذا النقاش السياسي يبقى غير دقيق، لأن الإجراءات الحالية تبدو أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى مشروع إصلاحي شامل. ومع ذلك، فإن استمرار العمل ضمن منطق المركزية المرنة في بيئة عدم يقين قد يفتح، على المدى الطويل، الباب أمام إعادة التفكير في شكل الدولة الإدارية وحدود المركزية فيها.

وتبرز أهمية هذا النقاش بشكل أوضح عند مقارنته بتجربة البوسنة والهرسك بعد اتفاق دايتون، حيث تم اعتماد نظام تعليمي شديد اللامركزية نتيجة الترتيبات السياسية التي أعقبت الحرب. في هذا النموذج، تم توزيع السلطة التربوية بين كيانات إدارية متعددة (الكانتونات)، مع بقاء إطار عام محدود على المستوى المركزي. هذا التوزيع أدى إلى درجة عالية من المرونة في الإدارة التعليمية، لكنه في الوقت نفسه أنتج تفاوتات واضحة في المناهج والمعايير التربوية بين المناطق المختلفة، ما أعاد طرح إشكالية العدالة التربوية ووحدة النظام التعليمي داخل الدولة الواحدة.

ما يهم في هذه التجربة، بالنسبة للحالة اللبنانية، ليس نقل النموذج، بل فهم منطق التحول: فالتوسع في اللامركزية في سياقات الأزمات لا يؤدي فقط إلى مرونة إدارية، بل قد يؤدي أيضاً إلى تفكك تدريجي في وحدة المعايير إذا لم يُضبط بإطار وطني واضح. وهو ما يجعل العلاقة بين المركزية واللامركزية علاقة حساسة للغاية، خصوصاً في أنظمة تعيش في بيئة عدم يقين مستمر.

في هذا السياق، تبدو الحالة اللبنانية اليوم في موقع وسطي دقيق. فالمركزية لا تزال هي الإطار الناظم الأساسي للسياسة التربوية، لكن تطبيقها بات يخضع لاعتبارات واقعية متغيرة تفرض تعديلات مستمرة. هذا الوضع يعكس ليس تحولاً بنيوياً نحو اللامركزية، بل إعادة تشكيل وظيفية للمركزية نفسها تحت ضغط الأزمات.

في الخلاصة، يمكن القول إن الامتحانات الرسمية في لبنان لم تدخل بعد في مسار اللامركزية التربوية، لكنها أصبحت تُدار ضمن منطق “المركزية المرنة” في بيئة عدم يقين معقدة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في طبيعة الامتحانات فقط، بل في قدرة النظام التربوي على الحفاظ على توازن دقيق بين وحدة المعايير من جهة، ومرونة الاستجابة للواقع من جهة أخرى، دون أن يؤدي ذلك إلى تفكك تدريجي في مفهوم العدالة التربوية أو في بنية النظام التعليمي ككل.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

نقابة المؤسسات التعليمية تفتح أبواب مدارسها في الشمال وعكار لطلاب الثانوية النازحين

    بوابة التربية: أصدر المسؤول الاعلامي في الهيئة التأسيسية لنقابة المؤسسات التربوية  الخاصة في …