السبت , مايو 30 2026

الامتحانات فوق الركام: هل تتحقّق العدالة التربويّة في زمن النزوح والخوف؟

 

 

 

بوابة التربية- كتبت د. رنا حطيط*:

 

تُعدّ الامتحانات الرسمية من أبرز مظاهر انتظام المرفق العام التربوي، لما تمثّله من أداة لتقييم التحصيل العلمي وضمان الانتقال الأكاديمي بين المراحل التعليمية. غير أنّ مشروعيّة تنظيم هذه الامتحانات لا تُقاس فقط بوجود نص قانوني يجيز إجراءها، بل تمتدّ لتشمل مدى مراعاة الإدارة للواقع الإنساني والاجتماعي والنفسي الّذي يعيشه المتعلّمون، خصوصًا في الظروف الاستثنائيّة الناتجة عن الحروب والنزوح والدمار.

فالإدارة، وإن كانت تتمتّع بسلطة تقديريّة في تنظيم المرافق العامة، تبقى خاضعة لمبادئ المشروعيّة والعدالة والمساواة والتناسب، وهي مبادئ تفرض عليها أن تُوازن بين انتظام العمليّة التعليميّة وحماية الحقوق الأساسيّة للطلاب.

المساواة الشكليّة لا تعني العدالة

إنّ إخضاع جميع الطلاب لامتحان موحّد لا يحقّق العدالة تلقائيًا، ما دامت الظروف الّتي يعيشونها غير متكافئة. فثمّة فرقٌ جوهري بين طالب يعيش في بيئة مستقرة وآمنة، وآخر فقد منزله أو مدرسته أو أحد أفراد عائلته، أو اضطرّ للنزوح والانقطاع القسري عن التعليم.

فالعدالة التربويّة لا تتحقّق بتوحيد الأسئلة فحسب، بل بضمان الحدّ الأدنى من تكافؤ الظروف الإنسانيّة والتعليميّة الّتي تسبق الامتحان. وأيّ تجاهل لهذا الواقع يُفرغ مبدأ المساواة من مضمونه الحقيقي، ويحوّل الامتحان من وسيلة تقييم عادلة إلى عبء نفسي واجتماعي إضافي على المتعلّمين المتضرّرين

مبدأ التناسب في القرارات الإدارية

يفرض القانون الإداري على الإدارة، في الظروف الاستثنائيّة، اعتماد التدابير الّتي تحقّق المصلحة العامّة بأقلّ ضرر ممكن على الأفراد. فالمصلحة العامّة لا تتحقّق فقط بالحفاظ الشكلي على المواعيد والإجراءات، بل أيضًا بضمان عدالة التقييم وصون الحق بالتعليم بصورة إنسانيّة فعليّة.

ومن هنا، تصبح الإدارة مطالبة بتكييف قراراتها مع واقع الحرب والنزوح والخوف، عبر اعتماد حلول مرنة تراعي الأوضاع النفسيّة والاجتماعيّة للطلاب، بدل التمسّك الجامد بالإجراءات بمعزل عن الواقع.

نظريّة الظروف الاستثنائيّة وحدود السلطة

صحيح أنّ نظرية الظروف الاستثنائيّة تمنح الإدارة صلاحيّات أوسع لمواجهة الأزمات، إلا أنّ غايتها الأساسيّة تبقى حماية النظام العام والحقوق الأساسيّة للأفراد معًا، لا تحميل المواطنين أعباء إضافية تفوق قدرتهم على الاحتمال.

فالقرار الإداري الّذي يُتّخذ بعيدًا عن الواقع الإنساني يفقد جانبًا أساسيًا من مشروعيّته، لأنّ حسن استعمال السلطة يقتضي أن يكون القرار متناسبًا مع الظروف الواقعيّة الّتي يعيشها الناس.

رسالة إلى وزيرة التربية ريما كرامي

وإلى وزيرة التربية، إنّ الإصرار على إخضاع الطلاب للامتحانات الرسميّة في ظلّ هذه الظروف الاستثنائية قد يحفظ شكل النظام التربوي، لكنّه يهدّد جوهر العدالة الّتي وُجد التعليم لأجلها.

فأبناء الجنوب لا يطلبون امتيازًا خارج القانون، بل يطالبون بحقّهم الطبيعي في أن تُراعى ظروفهم الإنسانيّة والنفسيّة القاسية، وأن تُقاس القرارات بميزان العدالة والرحمة لا بصرامة الإجراءات وحدها.

فالتاريخ لا يخلّد القرارات الّتي انتصرت للنظام فقط، بل يخلّد أيضًا المواقف الّتي انتصرت للإنسان.

خاتمة

إنّ الإدارة الرشيدة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض انتظام المرفق العام، بل أيضًا بقدرتها على التكيّف الإنساني والقانوني مع الأزمات. فكلما اقترب القرار الإداري من واقع الناس، ازدادت مشروعيّته وترسّخت الثقة بالدولة ومؤسّساتها.

وفي ظلّ ما يعانيه تلامذة الجنوب من نزوح وخوف واضطراب وفقدان للاستقرار، تبقى العدالة التربويّة الحقيقيّة رهينة قدرة الدولة على حماية الإنسان قبل حماية الإجراءات، وعلى صون كرامة المتعلّم قبل التمسّك بالشكل الإداري للامتحان.

 

*أستاذة اكاديميّة خبيرة دولية في التكنولوجيا التربوية والذكاء الاصطناعي

متخصّصة في اللّغويات التطبيقية لتعليم اللغة العربية والتدريب المهني

 

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

إلى وزيرة التربية: الشهادة التي تُنتزع من قلب الخوف ليست إنجازا تربوياً

    بوابة التربية- كتب علاء حنظل ناصر الدين:   حين تصبح الشهادة أهم من …